آخر تحديث :الإثنين-18 مايو 2026-03:42م

خاطرة تاريخية في ذكرى الاستقلال

الأربعاء - 28 نوفمبر 2018 - الساعة 03:36 م
محمود السالمي

عندما بدأت بريطانيا تهم بالخروج من الجنوب، حاولت جاهدة ربط عدن والمحميات الشرقية باتحاد الجنوب العربي حتى يتم في وقت لاحق تسليمه السلطة، وفي الوقت الذي فشلت فيه في جر سلطنتي حضرموت والمهرة للاتحاد فقد نجحت في ضم عدن إليه في ٦٣م، غير أن عملية الضم التي تمت بشق الأنفس، لم تاتي بالفائدة المتوخاة منها، ولم ينتج عنها الا مزيدا من التوتر في العلاقة بين حكومتي الاتحاد وعدن.

وبعد أن فشلت بريطانيا في التوصل لإطار دستوري لدولة الجنوب المنتظرة في المؤتمرين الدستورين اللذان عقدا في لندن في منتصف الستينات بين القوى المحلية القريبة منها: حكومة الاتحاد وحكومة عدن وسلطنات المحميات الشرقية وبعض القوى السياسية المعتدلة، ارسلت في سنة ٦٦م خبيران في الشؤون القانونية لإعداد مقترحات دستورية لشكل الدولة القادمة في الجنوب، وعلى الرغم من الايجابيات الكثيرة التي وردت في تلك المقترحات لمضمون الدولة التي  اقترحت أن تسمى : (جمهورية الجنوب العربي المتحدة) وان يكون لها رئيس فخري أعظم صلاحياته هي اختيار رئيس مجلس الوزراء، الا أنها أهملت إذ رفضتها بشدة الجبهتين القومية والتحرير، وكذلك كثير من القوى الأخرى بما فيها حكومة الاتحاد نفسها التي لم تتحمس لها بدعوى أنها انتقصت كثيرا من سلطتها.

وظل الموقف البريطاني أثر ذلك في وضع شديد الصعوبة والاحراج مع تزايد الرفض والمقاومة الداخلية لوجوده، ومع حالة الضغط التي كانت تمارسها الامم المتحدة من الخارج،  فحاولت بريطانيا أن تفعل أي شيء للدفع بأصدقائها لاستلام السلطة فعرضت في مستهل ٦٧م على حكومة اتحاد الجنوب استلام السلطة وتعهدت بانها ستبقي على اسطولها البحري في خليج عدن لمدة ستة أشهر حتى توفر لها الحماية من أي اعتداء تشنه عليها حكومة صنعاء، لكن حكام الاتحاد الذين كانوا مرعوبين من عبدالناصر والذين كانوا على درجة كبيرة من الضعف والتماسك، رفضوا العرض واشترطوا لقبوله بقاء القوات البريطانية على الأرض لمدة غير محددة.

وعندما فقدت بريطانيا ثقتها بقدرة حكومة الاتحاد على استلام السلطة، عرضت على جبهة التحرير المنافسة الفعلية للجبهة القومية استلام السلطة بشرط تعهدها بضم حكام الاتحاد وعدن والجبهة القومية والرابطة وبقية القوى الفاعلة للحكومة غير أن جبهة التحرير التي كانت الجامعة العربية تعترف بها كممثل شرعي ووحيد لشعب الجنوب رفضت ذلك  العرض وطلبت من بريطانيا أن تسلمها السلطة من دون أي شروط،  وان أمر اشراك بعض القوى الوطنية في الحكومة متروك لتقدير الجبهة نفسها وليس لتقدير بريطانيا.

ثم تطورت الأحداث في النصف الثاني من عام ٦٧ بشكل دراماتيكي، لصالح الجبهة القومية التي تساقطت مناطق المحميات بيدها الواحدة تلو الأخرى، وبصورة أثارت الشكوك بموقف الجيش والسلطة البريطانية منها.

وهكذا اتت مفاوضات الاستقلال في نوفمبر ٦٧م كتحصيل حاصل بين طرفين تسيدا الموقف بشكل مطلق على الأرض قبل أن يذهبا إلى جنيف.