آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-06:33ص

رماد الأحلام في صقيع أوربا .

الجمعة - 11 مارس 2022 - الساعة 10:17 م
مرفت الربيعي

بقلم: مرفت الربيعي
- ارشيف الكاتب


مع اندلاع الحرب في اليمن وما ترتب عليها من انعدام الاستقرار السياسي، وقلة فرص العيش، ولكون الشباب الأكثر تأثراً من الصراع المسلح، شهدت البلد هجرة جديدة إلى أوروبا بطرق شرعية وغير شرعية.

رحلة تحقيق الأحلام

أراد طريق الشهرة كأولئك الذين لمعوا في أوروبا " بهذه العبارة تروي أخت محمد "اسم مستعار" من محافظة عدن  تفاصيل قصة أخيها الذي أراد من أوروبا بارقة أمل لحلمه.

محمد واحداً من الذين ارغمتهم ظروفهم المعيشية الصعبة ترك البلد للبحث عن موطن يحتضن حلمه ويمارس عمله، وينمي هوايته، بعد وصوله لطريق مسدود، في ظل الأوضاع الراهنة التي فاقمت معاناة الشباب، وانتشار البطالة.

وبعد صمت لا تعكره سوى دمعة تخترق وجنتها، تقول: "باع كل ما يملكه من أجل توفير مبلغ السفر، كان يتمنى أن يبني أحلامه في وطنه ولكن شاءت الظروف واختار السفر لإحدى الدول الأوروبية وإلى الآن لم اره".

ووفقاً للبنك الدولي، فإن حوالي ثلث المهاجرين من جميع البلدان النامية هم من الشباب أعمارهم بين 12 و24 عاماً.

هاجر محمد وخلف أخت مطلقة كان يعول طفلها تعد الأيام بانتظاره وخطيبة معلقة بعودته، بينما هو يبحث عن حلمه الذي ضاع في ركام الحرب ليجهش في صقيع أوروبا.

"وددت بأن تعود الأيام ويطلب مني السفر ليعمل مهندساً فأمنعه"، بكاء مر يحكي تفاصيل قصة طويلة لم تستطع أن تسردها فأكتفت بالنحيب.

إبداع وخيبة أمل

فيما يبدو هروبًا من الواقع التعيس الذي يعيشونه، باتت الهجرة حلم معظم الشباب في اليمن، وفرصة وحيدة، ليبتعدوا ولو لفترة عن روائح البارود والدماء، في ظل الحرب التي طغت على كل تفاصيلهم اليومية.

آلاف من الشباب اليمنيين اضطروا إلى المغامرة بحياتهم في رحلة اللجوء إلى خارج البلاد بشكل عام وإلى دول أوروبية بشكل خاص، بسبب الحرب والأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها اليمن، في رحلة البحث عن الأمان المحفوفة بالمخاطر.

هلال الحاج بطل الكونغ فو الأولمبي الذي حقق ميداليات ذهبية وبرونزية محلية ودولية هو أيضا أحد المهاجرين الذين انتهت رحلتهم وإلى الأبد، حيث توفي أثناء محاولته الهجرة سراً على متن قارب صغير بعد رحلة شاقة من اليمن إلى المغرب ومنها إلى إسبانيا ، بحثاً عن فرصة جديدة يمارس من خلالها هوايته ويحقق أحلامه.

أوروبا والطريق إلى الموت

الطريق إلى أوروبا طريق إلى الموت فمن لم يلقي حتفه في الغابات بسبب الإرهاق، وانخفاض الحرارة يتعرض للموت أو السجن والتعذيب والاستغلال من عصابات التهريب أو أثناء محاولة عبور القنال الإنجليزي في "بحر المانش".

"في ليبيا احتجز العديد من المهاجرين كان بينهم يمنيين ويعانون ظروف مزرية بسبب الاكتظاظ الشّديد وضعف الوصول إلى الخدمات، والمسكن، ويتلقون وجبة واحدة في اليوم"،بحسب موظّفو لجنة الإنقاذ الدّولية - الذين زاروا بعض مراكز الاحتجاز، وفي بولندا احتجز 8 يمنيين حاولوا دخول أراضيها بشكل غير رسمي بينما علق آخرون في طقس جليدي.

وفي السياق ذاته، صرحت رئيسة قسم الشرق الأوسط في حرس الحدود البولندي، كلارا جايفسكا على خلفية هذه الواقعة بأن "دخول هؤلاء المهاجرين جاء بصورة غير شرعية، ومخالفة للقوانين على أيدي عصابات دولية للتهريب، تقوم بأخذ أموالهم وتركهم في الغابات على الحدود يصارعون الموت".

بالمقابل اكتفت الحكومة اليمنية بتحذير كافة اليمنيين "من الوقوع في فخ عصابات التهريب، ومخالفة قوانين الهجرة في الدّول الصديقة".

من جانبه يقول المستشار القانوني جمال الجعبي إن "الهجرة غير الشرعية أو غير النظامية تجعل المهاجر عرضة للاستغلال والابتزاز ورهينة العصابات الإجرامية العاملة في التهريب وبالتالي لا توجد قوانين تضبط هذا الوضع، والقوانين المتضمنة حماية المقيمين بصورة شرعية وقانونية في بلدان المهجر".
فاتورة الحرب العاجلة

ويشير الجعبي في حديثه إلى أن "الحرب تزيد من فرص التجنيد للشباب في القتال ويفقد الشباب المبدع والموهوبين فرصهم في الاسهام في الحياه الاجتماعية والفنية وتكون النتيجة الاتجاه نحو الاغتراب والهجرة للبحث عن حياة كريمة وفرصة للحياة الأفضل".

ويستدرك "قد يكون هناك قصص نجاح نقلها مغتربين سابقين خلال هجرتهم وحققوا خلالها أهدافهم وبرزوا بنجاح، وعادوا بأموال دفعت الشباب للبحث عن فرص مماثلة، رغم أن الفرص ليست بالضرورة جميعها ناجحة لاختلاف الوضع في الدول العربية والإسلامية عنها في أوروبا وأمريكا".

من جانبه يرى آدم بارون، الخبير في شؤون اليمن بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن "اليمنيون محاصرين إلى حد كبير، ولا يملك سوى عدد قليل منهم الموارد اللازمة لمغادرة البلاد، فالرحلة إلى أوروبا أكثر صعوبة، مع ذلك فإن عدداً من اليمنيين الذين أعرفهم يفكرون في القيام بهذه الرحلة على المستوى النظري على الأقل".

مغامرو تكاليف باهظة

يدفع الشباب الذين يهاجرون ما يصل إلى 12 ألف دولار للشخص الواحد وتأشيرة بـ (1000 ــ1500 دولار)، بينما تبلغ أسعار المهربين أكثر من 2500 دولار لكل فرد.

الشاب مروان محمد (25 عاماً)، أحد الشباب الذين كانوا ضحية لشبكات التهريب، يروي ،المعاناة التي واجهها فور وصوله إلى العاصمة البيلاروسية، قائلاً: " عندما وصلنا إلى مطار مينسك، استقبلنا شاب سوري دفعنا له من (3500 الف دولار) مقابل تهريبنا إلى المانيا عبر الحدود البولندية".

ويضيف،"عبر بنا الشاب الحدود البيلاروسية وصولاً إلى الأراضي البولندية، وتركنا بانتظار شخص أخر سيتولى مهمة اجتياز الحدود البولندية، وهو ما لم يحصل بعد".

وبمرارة وقهر يواصل "4 أيام ونحن تائهون وسط البرد القارس، تفطرت أقدامنا من السير، وألهب الجوع أمعائنا، ولو لم يتواصل معنا المهرب في اليوم الخامس لموتنا من البرد والجوع".
ويستذكر "كانت مغامرة مرعبة ومكلفة لم أكن أتخيل أن تكون بهذه المعاناة القاتلة، ولكن الحمد لله أني وصلت فيما الكثير يموتون في الطريق أوربا".

وعن فكرة الهجرة إلى أوربا يوضح أنه "تواصل مع مهرب يمني ضمن شبكة تهريب في مصر عبر(الفيس بوك) طلب منه مبلغ 2500 دولار مقابل تأشيرة، غير شاملة تكاليف الانتقال إلى بيروت".

مشيراً إلى أن "قرار الهجرة كان بسبب المضايقات التي يتعرض لها اليمنيين في السعودية، وأن الهجرة إلى أوروبا أفضل بكثير من الهجرة إلى البلدان العربية".

من جهتا تشير منة الله حميد، الفريق الإعلامي لمنظمة الهجرة الدولية، إلى أنه "لا يوجد احصائيات دقيقة عن المهاجرين خارج اليمن"، مضيفةً أن "أكثر من 5000شخص وصلوا إلى "بونتلاند" الصومالية، حوالي 8% يمنيين، في حين وصل إلى بولندا قرابة 1000 مهاجر معظمهم من اليمن". وبحسب قوات خفر السواحل اليونانية فأن 94 يمنياً كانوا من بين الوافدين إلى اليونان.

منذ أكثر من سبعة أعوام لاندلاع الحرب، تصاعدت ظاهرة هجرة الشباب اليمني بشكل لافت ومخيف، فيما يبقى الأمل بإيقاف ا6لحرب هو الحل الأمثل لاحتواء تطلعات الشباب في حياة كريمة ومزدهرة في كنف وطنهم، واستثمار طاقاتهم المهدورة.