نموت، نموت، ويحيا الوطن، وسنضحي بأنفسنا وأولادنا، وكل ما نملك ليحيا الوطن، سنحارب، ونضحي من أجل الوطن، سندافع عن تراب هذا الوطن، وسنرويه بدمائنا، سنصبر على الجوع، والفقر من أجل الوطن.
لن يطيب لي عيش حتى أروي ترابه بدمي، وسأضحي براحتي وصحتي، لأجل الوطن، كم أنتم محظوظون يا من رويتم بدمائكم الطاهرة تربة هذا الوطن، وسنخلد ذكراكم يا من ضحيتم بأرواحكم لأجل نصرة الوطن، وبالروح بالدم نفديك يا وطن.
أي سخافة هذه؟ وأي شعارات بلهاء هذه التي تردد؟ أي جهل نقع فيه، وأي مشروع للموت قد رسمه لنا أصحاب القصور، لنضحي من أجلهم، فهم الوطن، ومادونهم من وطن مزعوم مجرد رمال، وبحار، وجبال، ما هذه الشعارات التي نضحي من أجلها بكل ما نملك من مال، وولد، ونفس، وماذا سنستفيد بعد تضحيتنا تلك، فالفائدة إن تذكرونا رفعوا لنا صورة مجرد صورة، وكتبوا تحتها الشهيد البطل، وبعد فترة ستتمزق تلك الصورة، وستأتي على معالمها عوامل التعرية، وسننسى في زحمة الشهداء.
وطن لا يوفر لك الأمنين؛ أي أنه لا يوفر لك العيش الكريم، ويؤمنك من الخوف، فهو مجرد سجن كبير مكتوب على بوابته الوطن، فوطن لا تنام فيه مرتاح البال، فهو مجرد عتمة، ووطن لا تستيقظ وتجد راحتك فيه، فهو مجرد وهم، وستعد فيه السنين، والأيام، ليأتي موعد دفنك، إن وجدت لك حفرة مجانية في مقابره، وطن يهان فيه أساتذة الجامعة، والمعلمون، فهو عنوان جهل، وطن لا تجد فيه مساحة 20×20 لتبني مستقبل أولادك فيه، فهو مجرد إقطاعية للصوص، وطن لا تجد فيه ما يؤمن حياتك من مأكل ومشرب، فقد فقدت الحياة الكريمة بحذافيرها، وطن لا تجد فيه التطبيب، وإن وجدت لك علاجًا فيه، فعلاجك مجرد حبة مهدئة، فهو مجرد غرفة انعاش لتهيئتك حتى تتوافر إمكانية دفنك، فأي وطن نموت من أجله نحن وأولادنا؟ ألم يقل رسولنا -صلى الله عليه رسلم- لزوال الدنيا عن بكرة أبيها أهون عند الله من إراقة دم امرئ مسلم، فمن أجل ماذا نزهق أرواحنا؟
سيظل يردد البلهاء الذين لا يجدون في هذا الوطن إلا اللهث وراء فتات اللصوص، سيظلون يرددون: بالروح بالدم نفديك يا وطن.
وختامًا لا أملك في هذا الوطن التعيس الذي أهين فيه المواطن، وتملك فيه الرويبضة، لا أملك إلا أن أقول: وغير الصمت ما عندي.