آراء الإناث على دين نيتشه!! السبت - 22 يوليو 2023 - الساعة 12:57 م بقلم: راجح المحوري - أرشيف الكاتب يقول نيتشه:"إذا كانت القوة وحدها دون الرحمة والشفقة هي محور الأخلاق؛ وجب ألا تكون غاية الإنسان السمو (بالسوقة والكافة) بل الرقي بالصفوة الجميلة وحدها".لابد أنكم تعرفون العصافير الصغيرة ذات اللون الأصفر الهادئ، والرؤوس السوداء من مقدمتها، والمناقير الحادة اللماعة؟. إنها نوع من العصافير الذكية الحذرة جدا، وما يميزها بجانب لونها اللذيذ هو نوع أعشاشها المكورة التي تتدلى من الأغصان النحيفة المياسة كالبالونات، نسميها في لهجتنا (صُفَّر) نسبة للونها.لهذه العصافير طريقتها الاجتماعية المنظمة وفق قواعد دقيقة أظن أن المراقبة الممتعة التي اعتدت عليها كل ليلة مع شاهي العصر، مكنتني من اكتشافها رغم أنها تبدو معقدة، خاصة وإن أفراد الذكور متشابهون بل متطابقون تماما في الشكل واللون وحتى الأحجام، وكذلك الأناث الكسولات المغناجات اللاتي لا يلعبن دورا يذكر فيما رأيت من الأنشطة، غير وضع البيض، والقيام ببعض الأشياء الفنية الصغيرة عند تجهيز الأعشاش، كاختيار نوع الفرش الداخلية (العطب أو ما ينوبه) وتثبيتها بأنفسهن، أي أنهن يكتفين بلمسات الأناقة الأنثوية المعتادة.ذكور هذه العصافير كثيرو الزقزقة والتملق للأنثى والاستعراض بالرفرفة السريعة ونفش الريش والتنافس المجنون، ولكن يا للخيبة ! إن كل هذه الأشياء لا تجدي الذكر نفعا أمام الإيمان النتشوي العميق لدى الأناث العصرية، فعملية اختيار الأزواج لا تعرف تنهيدات روميو ولا دموع المجنون..إنها نقطة الافتراق الحاسمة بين الإنسان الخشن ذو الضمير والشعور الحساس، والعصفور الناعم الجميل اللطيف، متبلد الحس منعدم الضمير !وهذه مسألة محورية في دراسة أسس سلوك مجتمعات هذا الوجود، سواء الإنسانية أو الحيوانية أو حتى مجتمع الحشرات، ونتائج هذه الدراسات مرتكز أساسي لبعض الاحتجاجات التي يقدمها المهتمون عند الاشتباك النظري حول مسائل أصل الجنس البشري، والنظريات الفلسفية التي بحثت هذه المواضيع، وهي كثيرة ومتشعبة.عموما تتم عملية اختيار الشريك بالنسبة لأنثى (الصُفَّر) بهذه الطريقة :يقوم كل ذكر ببناء مجموعة من الأعشاش في شجرة خاصة يقوم بحراستها من الذكور الآخرين بحزم وشراسة شديدين، وبعد أن يجهز كل ذكر مجموعة من الأعشاش تقوم الأناث بالتنقل بينها وفحصها في ظروف مشحونة بالتوتر والزقزقة والرفرفة والتناوش الخطير والمطاردات بين الذكور، ولكن الأنثى الهادئة الوقورة تواصل استكشافها البطيء كما لو كانت لا تشعر بشيء مما يحدث حولها، تتمسك بمخلبيها الصغيرين في حافة فتحة العش وترفرف بهدوء وهي تدير رأسها المدبب وتدخله في العش وتخرجه مستمتعة بتعاليها على نزالات الذكور التي لا يحسمها غيرها، وهكذا يحتدم التوتر وتشتد معارك الذكور فيتطاير الريش في الهواء، حتى تجد العش الأكثر أمانا ومتانة، والأكثر ضمانا للراحة، فتسمح لصاحبه باعتلائها ثم تضع فيه بيضها، وبذلك تصبح شريكة مستحقة لصاحب العش.والمدهش أن الذكر يستمر في بناء الأعشاش بنشاط دؤوب حتى يغادر الفراخ العش! وذلك لتمويه الغزاة، فكثرة الأعشاش تجعل من الصعوبة بمكان معرفة العش الذي يستقر فيه البيض.ما يجعلني أبتسم دائما بينما أراقبها هو حالة النتشوية الكاسحة التي تحكم سلوك هذه العصافير الجميلة، فالضعيف الذي لا يستطيع حراسة العش، أو الذي لم يملك الخبرة بعد للبناء الجيد لن يحظى بالأنثى مهما رفرف لها بجناحيه وصدح بالشوق الجائر، وسيقضي نحبه وينخر عينيه النمل قبل أن ينال الأنثى العتيدة.وهذا تماهٍ أكيد بين أناث العصافير ونظريتي الانتخاب الطبيعي عند دارون، وإنسان السوبرمان (الإنسان الأعلى) الذي نادى به نيتشه في أثره الممتاز "هكذا تكلم زرادتش"يقول فريدرك نيتشه:" يجب أن نشيد الأخلاق على أساس بيولوجي، فنحكم على الأشياء بقيمتها للحياة، والمقياس الحقيقي الذي نَخبُر به الفرد أو الجماعة أو الجنس هو النشاط والمقدرة والقوة، وهذه قائمة على الحالة الجسدية".ويقول:"ينبغي أن تنحني مبادئ الأخلاق أمام (اختلاف الطبقات وتدرج المراتب)".إذا شعرتم بأنها إسقاطات متعسفة فاعتبروها دعابة حتى من النوع الرديء. وسلاما على عصافيري النتشوية حين تصدح عاليا وتفرد أجنحتها للشمس مسرورة بالشروق، وحين تتقافز على الأغصان بصمت حذر عندما أتجول تحت أشجارها وقت الغروب. تابعونا عبر Whatsapp تابعونا عبر Telegram