آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-11:30م

محتوى ثابت.. ذوق متغير

الجمعة - 04 أغسطس 2023 - الساعة 11:07 م
راجح المحوري

إنما يكون الثبات دائما للمعنى، أما النسيج اللغوي الذي نشكله بأيدينا فإنه منتج الحالة الراهنة، وسيبُلى بالتقادم أو يتأخر في الترتيب بظهور أشكال أكثر إدهاشا في تنسيق الخيوط، أو أكثر ملاءمة للذوق المستجِد.
أما بالنسبة للمعادن النفيسة التي نعثر عليها من زمن لآخر فتلك أشياء تنفرد بمرتبة وجودية أخرى، ونتائج تعاملنا معها تعتمد على ما نملك من أدوات، فإما أن نصهرها ونعيد عرضها في شكل مختلف، ولنا فضل جودة الصياغة وجلال الخيال الفني، وإما أن نقلدها بمعدن رخيص وأدوات كسيحة فنقدم مسوخا شوهاء لا تفعل شيئا غير تأكيد الفارق السحيق بين الذهب الخالص بأشكاله وصياغاته المتنوعة و(المطلي) الذي تتجشأه الأسواق عن تخمة قاتلة.
بالقراءة والتجربة تتعدل أذواقنا كثيرا.. تجارب متواصلة في القراءة والكتابة، تعني حالات من العبور بالذوق لا تتوقف، وكأن حبر الأدباء بحر، وأذواقنا السابحة دوما ألواح قارب بدون ثقّالة، فليس هناك ثبات على شكل، ولا توقف عند نوع أو أسلوب أو طريقة.. قد تتواجه مع نفسك وبقوة بعد مدة من القراءة لا تتجاوز كتاب.. قد تحرق قناعة ارتديها لزمن طويل، وتستبدلها بأخرى ستفعل بها فعلك بالسابقة بعد تجربة جديدة، وقراءةٍ أخرى..
القراءة والذوق الشخصي أشبه بالآلة المتطورة بين يدي إنسان مخترع، فكلما أضفت لذوقك من التجربة والقراءة شيئا، شكّل هذا الشيء جزءا من الآلة الدقيقة (الذوق) لتأخذ ملمحا مختلفا، لا يمكنك بعده إعادتها إلى الوضع الذي كانت عليه من قبل، فالشكل اختلف والخصائص تغيرت.
وهكذا لا يمكنك _حتى مع نفسك _ تحديد اتجاها معينا في بناء النص، وتدعي أنك قد توصلت للشكل الأخير، فضلا عن إهداء الأشكال الأخيرة لغيرك..
قبل مدة كتبت إحدى الزميلات على الحالة الخاصة بها في نهاية كلام جميل:
"اللهم جبرا ، وصبرا ، وقوة ، وعونا ، منك لنا لنستكمل درب الحياة الموحش"
وقتها استوقفتني كلمة (الموحش) في نهاية الفقرة، واعتبرت إغلاق الفقرة بهذه الكلمة علامة خبرة وتجربة لدى الكاتبة، ودليل وعي بأسرار الكتابة، ولا زلت أحتفظ بجزء من القناعة في ما قلت، ولكن بالصدفة اليوم وجدت صورة الحالة التي قمت باقتصاصها حينذاك، وتذكرت أنني كتبت عنها شيئا ما، فبحثت عما كتبت ولكنني لم أجده.
لا أدري ماذا قلت حينها ولكنني أدري الآن أنه حتى هذه اللحظة أصبحت لدي فكرتان منفصلتان عن نفس الكلمة، فأنا من ناحية مازلت على رأيي القديم في أن الكلمة تضبط نهاية الإيقاع الداخلي الذي يشكله توالي نوع معين من المفردات، ولكني من ناحية أخرى أرى أن (الموحش) بعد (درب الحياة) في مثل هذا السياق تلغي شاعرية الجملة.. تعطل عمل الخيال فتتلف حالة التأمل في هذا الدرب الذي تتوجس منه الكاتبة..
ماذا فيه ؟
فالقارئ بخياله يضع في هذا الدرب كل الاحتمالات، ولكن (موحش)تقطع عليه خياله فيتوقف عن البحث بسبب المعرفة المسبقة التي قدمتها الكاتبة جاهزة بوصفها لهذا الدرب، وكأن اللاشعور يقول له:
الدرب إذن (موحش) ... انتهى.
بقي شيء أنا مقتنع به منذ قرأت النص في المرة الأولى وهو حشر  (منك لنا)
فمنك لنا هنا من جانب (برأيي) تعتبر حشوا فائضا عن الحاجة، ومن جانب آخر تقطع التدفق الشعوري المنساب مع  المصادر: جبرا صبرا عونا... التي شكلت إيقاعا جميلا يصعد بانتظام من البداية وحتى النهاية، ولكن (منك لنا) تعترض كنغمة نشاز لا تضيف شيئا غير صناعة مطب هوائي يرجّ هذا الإيقاع المنساب ويشتته.