شهد شهر سبتمبر (أيلول) المنصرم حراكاً سياسياً مكثقاً و أحداث دراماتيكية متسارعة بشأن الوضع و السلام في اليمن ، و عن رغبة تبدو شديدة و ملحة لدى المملكة العربية السعودية في الخروج الآمن من مستنقع اليمن فقد كثفت من جهودها و ضغطها و تنازلاتها لإبرام إتفاقية هدنة و سلام مع الحوثيين على إعتبار أنهم القوى الفاعلة على الأرض و طالما أن أي إتفاق سلام معهم يفضي إلى أمن حدودها و منشئاتها الإقتصادية و النفطية داخل حدودها ..
بُعيد تطبيعها العلاقات مع إيران و تبادل السفراء بين الرياض و طهران توجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مسقط على إعتبار أن عمان هي الوسيط بين السعودية و الحوثيين منذ بداية المفاوضات بينهما و بعد عودته إلى الرياض توجه مباشرة وفد تفاوضي حوثي إلى العاصمة الرياض و أجرى سلسلة من المباحثات مع الجانب السعودي و عقب ذلك أعلنت كل من الرياض و صنعاء عن نجاح تلك المباحثات و أنها كانت إيجابية و تم التوصل فيها إلى التوافق على غالبية الملفات بما في ذلك العالقة منها و التي كانت محل خلاف خلال جولات المفاوضات السابقة ..
في الوقت الذي كان فيه الجميع متفائلين و يترقبون الموعد القريب لتوقيع إتفاق الرياض3 كما يسميه البعض تفاجئ الكل بغارة مسيرة الحوثيين على الحد الجنوبي مع السعودية و التي راح ضحيتها ما يقارب الخمسة من الضباط البحرينيين ، و تبع ذلك تصعيداً سياسياً للحوثيين في صنعاء ثمثل ذلك في منع الإحتفالات في شوارعها بمناسبة ذكرى ثورة 26 سبتمبر و من ثم الإعلان عن التغييرات الجذرية من قبل السيد عبدالملك الحوثي و التي كانت بدايتها الإطاحة بالحكومة و تغييرات أخرى متوقعة في النظام الجمهوري و الذي يعتبره البعض بمثابة عودة حكم الإمامة و ليس بالضرورة أن يكون الحكم ملكياً و لكن قد يكون جمهورياً تحت سلطة ولاية الفقيه على غرار الحكم في إيران ..
ردود الأفعال السعودية و الأممية تجاه ذلك التصعيد العسكري و السياسي من قبل الحوثيين كانت خجولة و سلبية و ليست على مستوى الحدث ، كما أن إستقبال الوفد المفاوض الحوثي في الرياض مرة و الذي يتواجد فيها حالياً قد ترك لدى الكثيرين إنطباعاً سلبياً تجاه نوايا الرياض فيما يخص عملية السلام المزمعة و أن تصعيدات سلطة صنعاء الأخيرة إنما كانت بتوافق مع الرياض و أن الرياض في الطريق للحل في اليمن بتكرار نموذجي لبنان و العراق ..
ستتكيف صنعاء مع الوضع الجديد أو المتجدد فيها و ستقبل كل الأطراف فيها بما ستطرحه السعودية للحل و هناك من الأسباب الكثير مما يؤكد ذلك و ليس المقام هنا يسمح بتناولها ، و لكن *ماذا عن عدن ؟*
تختلف عدن عن صنعاء فكرياً و سياسياً و إجتماعياً و رغم الإختلافات السياسية فيها إلا أنه لا خوف عليها من أن يحاول الحوثيون إجبارها لسلطتهم عسكرياً و مثلما توحدت فيها الجهود لمقاومة غزوهم في العام 2015م فسيتكرر المشهد هذا أيضاً و لن يقبل الجنوبيين بأي سيطرة لسلطة الحوثيين على عدن و الدافع الديني هو العامل الحاسم و الأهم لدى الجنوبيين و لن يتهاونوا فيه على الرغم من إختلافاتهم السياسية و ما يحدث حالياً في صنعاء من تهديد و وعيد بين الشركاء السياسيين في حكومتها سيضاعف من وحدة الصف الجنوبي خصوصاً بين جنوبيي الوحدة و جنوبيي الإنفصال .. لكن يمكن لعدن أن تسقط تحت سيطرة الحوثيين عن طريق الضغوط التي ستمارس على السياسين و المكونات السياسية الجنوبية من قبل طرفي التحالف السعوديين و الإماراتيين للقبول بأي مشروع سلام لخروج آمن لهم حتى و أن يكون فيه الحوثيين الطرف الأقوى و المسيطر على اليمن بشطريه ..
إستمرار شراكة المجلس الإنتقالي الجنوبي مع حكومة الشرعية حتى في فريقها التفاوضي و تفرده في تمثيل الجنوب في مفاوضات دون أية ضمانة فيعني تكراراً لخطأ الرفاق في العام 1990م و لكن هذه المرة لدفع عدن و الجنوب إلى إحضان إيران و أذرعها .