آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-06:19ص

سر الصناعة العدنية

الأحد - 11 أغسطس 2024 - الساعة 07:05 م
ماجد الكحلي

بقلم: ماجد الكحلي
- ارشيف الكاتب


عندما شرعت في أطروحتي في الدكتوراه التي كانت في لهجة عدن، واجهت إشكالية من الكثيرين مفادها:
من هم سكان عدن الأصليين؟
سمعت اجابات مختلفة وقرأت تأصيلات متنوعة منها ما هو صحيح وكثير منها قد جانب الصواب..
الحقيقة بحسب رأي الباحث ولا ألزم أحدا بها أن الإجابة عن هذا السؤال من أكثر الإجابات تعقيدا، والسبب في ذلك أن الشريحة المجتمعية لأبناء عدن لا تعتمد على نواميس القبيلة التي من سماتها تماسك أبنائها وترابطهم وتكاثرهم فيما بينهم لعقود بل لقرون في أغلب الأحيان..
وهنا يكمن الخلل المجتمعي في جينات أبناء عدن،.
هذه المدينة القديمة المتجددة كتجدد امواج بحرها، من عاش فيها تعدن اي ذاب معدنه فيها حتى وإن كانت جيناته مختلفة تماما عن جينات ابنائها.
ونقصد بتعدن المرء فيها أي يحدث له تشكل جديد في لهجته وسلوكه وأخلاقه و التزامه بعادات وتقاليد ونظام هذه المدينة..
وتجدد جينات أبناء عدن يعود لقرون طويلة جدا، وهذا التجدد أسبابه كثيرة منها:
١- الحروب والاقتتال عليها منذ فجر التاريخ.
٢- الدفاع عنها من سكانها ومن غير سكانها الذين هبوا دفاعا عليها من الاحتتلال الأجنبي قديما ( الفرس والروم والبرتغاليون ووو) لها ثم استقروا فيها.
٣- النزوح منها في كل فترة زمنية معينة بسبب بطش بعض من سيطروا عليها.
٤-النزوح إليها في أوقات كثيرة بسبب ازدهار التجار وتوفر سبل العيش الرغيد فيها
٥- التهجير إليها سابقا بسبب قساوة العيش فيها قبل أن تتمدن ويحدث فيها طفرة في مينائها..
وغيرها من الأسباب التي تجعلنا نعتقد اعتقادا جازما أنه لا يمكن الجزم صراحة بأن سكان عدن الأصليين هم من الصبيحة أو العقاربة أو من أبين أو لحج أو تعز أو يافع أو تهامة أو الحجرية أو الحضارم أو الهنود أو الصومال أو الأحباش أو او او ..
لا يمكن الجزم والسبب أنه لا يمكن إثبات ذلك، فعدن ضاربة في عمق التاريخ، مذكورة في التوراه وتقاتلت عليها حضارات قديمة واول محاولة لاحتلالها كان من الفرس حوالي ٥١٩ ق.م وبعدها حاول الاسكندر المقدوني وبعدها حاول البرتغاليون والاحباش والرومان ووو آخرهم الاحتلال البريطاني..

بالله عليكم من قاتل الفرس أو جيش الاسكندر المقدوني هل هم ابناء الصبيحة ام أبناء الحجرية ام أبناء العقارب أم أبناء الهنود والصومال؟!!!

لقد كان من ألقاب عدن (اقدم اسواق العرب) و ( سوق العرب الخلفي)، إذ كانوا يستقبلون تجارتهم القادمة من الصين أو الهند أو غيرهما، ولهذا كان هناك صيادون عرب من أماكن مختلفة، وعمال عرب اقحاح من اليمن ومن خارج اليمن استعملهم التجار العرب وغير العرب لتخزين بضائعهم وتسيير أمور تجارتهم..تزاوجوا فيما بينهم البين وكونوا شريحة مجتمعية جديدة اتسمت بطابع هجين جميل تميز بصفات لا يمتلكها اغلب من كانت جيناتهم اصلية كما يقال..
ولهذا نعتقد أنه في كل حقبة تاريخية ونتيجة الهجرات والنزوح من عدن أو إليها تتشكل فسيفساء رائعة لجيل عدني لا ينتمي إلى جهة ما أو قبيلة ما بل ولاؤه وانتماؤه لعدن وحدها..
والتاريخ الحديث شاهد على ذلك..كلنا نتذكر حرب ٢٠١٥ كيف هرب من عدن اغلب من لم يدخل حب عدن في قلبه، بل فر إلى قبيلته أو محافظته، وهذا الذي يمكن أن يقال عنه أنه لم يتأقلم في بوتقة التعدين فصار مثل خبث الكير ..
لم يبق في عدن الان حرب الحووثي إلا من لم يكن له مأوى الا فيها، فدافع عنها بكل حب وانتماء..

الكل يتقاتل على عدن، وعندما تقول له أنا عدني تأخذه العزة بالاثم ويقول مافيش حاجة اسمها عدني..
اقول له صدقت، فبركان عدن الخامد لا يقبل الجيف بل يغير اي معدن من معادن الناس (ذهبا أو حديدا أو نحاسا أو فضة أو غيرها) في قالب معين فيصيره معدنا جديدا في كل مرحلة تختلف عن سابقاتها، وهذا سر الصناعة العدنية التي لا يمكن أن ينكرها الا جاحد، فاختزال اصول أبناء عدن في مناطق الصبيحة أو العقارية أو الحجرية أو أبين أو الهند أو الصومال ظلم فادح لا يمكن أن يتجاوزه تاريخ هذه المدينة العريقة..
فعدن مدينة بركانية صنعت وتصنع وستصنع أبناءها بنفسها، وهم من ينتمون إليها بكل حب وشغف وانتماء..
وهذه هي سر الصناعة العدنية!!