تمر الأيام وتبقى الذكريات العطرة لأشخاص سطروا أروع الأمثلة في النزاهة والعمل المخلص ومن هؤلاء كان المدير القدير الذي قاد مكتب التربية في الوضيع حتى عام 1994م الرجل الذي أصبح اسمه مرادفا للأمانة والعدل والذي شهد له الجميع بتميزه في القيادة والعمل الجاد.
للأمانة
حبيت ابداء من هنا قبل ان اروي لكم مقالي عن جارانا العم والاستاذ صالح مهدي
منذو أن تولى إدارة مكتب التربية والتعليم كانت المستودعات ممتلئة ومصونة تضم كتبا تعليمية وألعابا رياضية وموسيقية وكل ما يعزز العملية التعليمية حتى القسم الداخلي كان يزخر بكل ما يحتاجه الطلاب من فرش، بطانيات، وأدوات طهي، وهو ما يعكس حرصه على الاستعداد والتخطيط الدقيق لتوفير بيئة تعليمية متكاملة.
ما يميزه رحمه الله أنه رغم مسؤوليته الكبيرة كان قريبا من الجميع حيث يحمل معه ختم المكتب والأوراق الرسمية أينما ذهب كأنه "مكتب متنقل" ميسر معاملات الموظفين في أي وقت ومكان دون تأخير أو تعقيد
وبالرغم من وجود الفرص الكثيرة لتوظيف أبنائه أثناء إدارته إلا أنه اختار أن يكون عادلا مقدما مصلحة الآخرين على مصلحته الشخصية لم يُوظف أبناءه إلا بعد أن سلم مهامه بشكل رسمي ليبقى اسمه رمزا للعدل والنزاهة في قلوب الجميع.
لقد كان نموذجا للإنسان الذي يضع مخافة الله أمام عينيه في كل خطوة يخطوها.
ولد الأستاذ صالح مهدي صالح في عام 1939م في مديرية الوضيع بمحافظة أبين وسط أسرة متدينة وبسيطة تعكس ملامح مجتمع الوضيع الأصيل حيث كان والده الحاج مهدي رحمه الله رجل الدين والتقوى حيث ربى أبناءه على قيم الإسلام والأخلاق الحميدة فكانت هذه التربية أساسا لشخصية الأستاذ صالح الذي أصبح فيما بعد نموذجا للعطاء والإخلاص لوطنه ومجتمعه
بدأ الأستاذ صالح مهدي حياته التعليمية في مدارس الوضيع الابتدائية حيث ظهر شغفه بالتعلم مبكرا رغم التحديات التي تواجه أبناء الريف في ذلك الوقت استطاع أن يكمل دراسته المتوسطة في زنجبار لم يكن الطريق ممهدا لكنه كان مفعما بالطموح ما دفعه للانتساب للثانوية العامة في عام 1983م
بنجاح كان هذا الإنجاز مرحلة فارقة في حياته فتح له أبواب التطور المهني والشخصي.
كما التحق الأستاذ صالح مهدي بسلك التعليم في عام 1960م عندما عين مدرسا في مدرسة عيدروس الكورة التي أصبحت لاحقا رمزا للتعليم الحديث في الوضيع هذه المدرسة التي وضع حجر أساسها في عهد الرئيس الأسبق سالم ربيع علي و افتتحها رسميا الرئيس الأسبق علي ناصر محمد كانت شاهدة على عطاء الأستاذ صالح الذي لم يكن مجرد مدرس بل مربي أجيال حمل على عاتقه أمانة التعليم ونشر الوعي. المرحوم صالح مهدي بعد ان عمل في التدريس من الستينات الى السبعينات كمدرس ومدير في م عيدروس والوضيع عين بعدها مدير تعليم محو الامية في الوضيع
وهذه المهمة بحد ذاتها كانت اصعب مهمةحيث كان يجمع كتب محو الامية بكميات كبيرة يحملها فوق كتفه ويدور بها على القرى و يتفقد صفوف محو الامية لمسافات بعيدة
وبعد وفاة الاستاذ صالح النقي مدير التربية في الوضيع
عين الاستاذ صالح مهدي في عام 1982م منصب مدير التربية والتعليم في مديرية الوضيع هذا المنصب كان تتويجا لمسيرة طويلة من العمل الجاد والتفاني في خدمة التعليم خلال فترة إدارته التي استمرت حتى عام 1994م أسهم في بناء العديد من المدارس والمرافق التربوية و أرسى قواعد التعليم في المديرية محافظا على استمراريته رغم التحديات السياسية والاجتماعية كان يتنقل طولاً وعرضاً بين المدارس على امتداد مساحة الوضيع للاشراف على العملية التعليمية للنهوض بالتعليم واداء الامانة المنوطة به كما قام بالعديد من الانشطة الثقافية والاجتماعية والتوثيقية ومنها تقديم بحث لاكثر من ستين موقع اثري في كلا من الوضيع وامصرة .
*رجل الأمانة والنزاهة*
عندما وقعت حرب صيف 1994م أُجبر الأستاذ صالح على ترك منصبه بسبب انتمائه للحزب الاشتراكي الحزب الذي خسر المعركة آنذاك ولكن رغم هذا أظهر الأستاذ صالح أمانة لا نظير لها سلم كل ما كان تحت عهدته الرسمية بما في ذلك أصغر الأشياء مثل كاسات الماء البلاستيكية التي كانت تستخدم في القسم الداخلي (سكن الطلاب)وآلات الموسيقى التي احتفظ بها لسنوات كانت هذه المواقف دليلا على نزاهته ووفائه لمبادئه.
بعد تركه العمل الرسمي وجد الأستاذ صالح مهدي شغفه في توثيق التراث الشعبي لمنطقة الوضيع منذ عام 1995م بدأ رحلة شاقة في جمع وتوثيق الحكايات الشعبية والأغاني والتقاليد المحلية طاف القرى والتقى بكبار السن مستمعا لرواياتهم وسجل كل ما يمكن أن يحفظ ذاكرة الوضيع للأجيال القادمة في كتابين اسماهما التنيبي والمنجد نتمنى أن تطبع لترى النور .
كما كان الأستاذ صالح أكثر من مجرد معلم أو باحث فقد كان مصلحا اجتماعيا يسعى لحل النزاعات ولم شمل أفراد المجتمع كما لعب دورا مهما في النضال الوطني حيث كان أحد مناضلي حرب التحرير وحصل على ميدالية تقديرا لإسهاماته شغل عدة مناصب قيادية منها رئيس منظمة لجان الدفاع الشعبي ومسؤول محو الأمية إضافة إلى دوره في تأسيس منظمات جماهيرية تعزز من وعي المجتمع وتقدمه.
الحادث الأليم والنهاية المهيبة
تعرض الأستاذ صالح لحادث مروري أثناء توجهه إلى عدن ما استدعى نقله إلى الأردن لتلقي العلاج بتوجيه من نائب الرئيس عبدربه منصور هادي بعد عودته إلى اليمن أوصى الأستاذ صالح قبل وفاته بأداء فريضة الحج عنه فكلف محمد أحمد الصوفي بهذه المهمة. وبعد عودة الصوفي من الحج وإبلاغه بأداء الفريضة حمد الله وشعر بالراحة قبل أن يسلم الروح إلى بارئها في 17 فبراير 2004م رحمه الله واسكنه فسيح جناته حيث كانت جنازة الأستاذ صالح حدثا مهيبا في الوضيع صلى عليه جمع غفير في الجامع الكبير بحضور شخصيات اجتماعية وسياسية
دفن الفقيد في مقبرة الوضيع وسط حزن عميق على رحيله.
كانت حياة الأستاذ صالح مهدي نموذجا يحتذى به إذ جمع بين الإخلاص في العمل والنزاهة وحب الخير للناس وسيبقى ذكره حيا في قلوب أهالي الوضيع وسيظل إرثه الثقافي والاجتماعي شاهدا على حياة قضاها في خدمة وطنه ومجتمعه.
رحم الله الأستاذ صالح مهدي صالح وأسكنه فسيح جناته إنا لله وإنا إليه راجعون.
*رمزي الفضلي