نحن مقبلون على شعيرة عظيمة من شعائر الله، وهي شعيرة عيد الأضحى المبارك، ويسرّني في هذه المناسبة أن أتقدَّم بالتهنئة للجميع مقدمًا.
كثيرًا ما نسمع هذه الأيام، وخصوصًا من عامة الناس، نقاشات تدور حول الأضحية (لحم العيد)، حيث يُلاحظ استعداد كبير واهتمام بالغ بشراء الأضاحي، وهذا أمر محمود، فهي سنة مؤكدة وشعيرة من شعائر الإسلام.
لكن المؤسف أن كثيرين يغفلون عن جوانب أخرى لا تقل أهمية، بل ربما تسبقها في الفضل، وهي “اللُّحْمَة” ـ أي إعادة التلاحم والتواصل والصفاء بين الأهل والأصدقاء والجيران. هذه اللُّحمة التي غابت بفعل الخصومات والقطيعة والنزاعات، أصبحت اليوم مطلبًا مُلحًا.
ما أحوجنا اليوم إلى إعادة لُحمة القلوب، ورأب الصدع، وإزالة الشحناء بين المتخاصمين، سواء من الأفراد أو الجهات، بعد أن تفشت القطيعة والتدابر لأسباب تافهة لا تستحق أن تُغرس بسببها جذور الخلاف لأسابيع أو شهور أو حتى سنوات.
إن السعي في إصلاح ذات البين، في زمنٍ بات الناس فيه شذر مذر، لهو من أعظم القربات، بل هو أفضل من الصيام والصلاة كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
“ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة.”
وقد أمر الله تعالى بذلك:
والصلحُ خير
إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم
واتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم
فمن الواجب علينا جميعًا السعي الجاد في سبيل الإصلاح، وتقديم المبادرات الطيبة، والتنازل عند المقدرة، والصفح من أجل وجه الله تعالى.
وعلى من يسعون في هذا المجال، أن يتحلوا بالحكمة والخبرة والمكانة الاجتماعية، وأن يتبعوا منهج القرآن الكريم في التعامل مع النزاعات، من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومن قول معروف ولين في الحديث.
تأملوا كيف أمر الله موسى وهارون عليهما السلام، في مواجهة فرعون الطاغية:
اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى
ويقول عز وجل:
وجادلهم بالتي هي أحسن
خلاصة القول:
نحن مقدمون على عيد الأضحى، وهو عيد لا يكتمل معناه إلا إذا سبقته المصالحة والصفاء، فاللُّحمة أولى من اللَّحمة، لأنها تزرع في المجتمع المحبة، وتعمّق الأواصر، وتحافظ على تماسك الأسرة والوطن.
فلنُعد ترميم ما تصدع من علاقاتنا، ولتكن أيام العيد محطة للصفح والتسامح، نغتنمها لنصلح ما بيننا، فذلك هو العيد الحقيقي.