د. عبدالمجيد العمري.
اليمن يمر بأزمة نقدية واقتصادية هي الأخطر في تاريخه الحديث. فمنذ اندلاع الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي بعد عام 2015، تسارعت وتيرة التدهور في قيمة الريال اليمني، حتى بات المواطن يشعر يوميًا بأن العملة التي يتقاضاها لم تعد تساوي شيئًا أمام أبسط حاجاته. تعددت النسخ المتداولة من العملة، واختلفت أسعار الصرف بين المناطق، مما أدى إلى حالة فوضى نقدية فريدة من نوعها. البنك المركزي فقد دوره كجهة موحدة، وطباعة العملة باتت تجري دون غطاء، ما أفقد الناس الثقة في الريال الجديد وخلق سوقًا سوداء نشطة. أكثر من 80٪ من التحويلات المالية تتم الآن عبر قنوات غير رسمية، وأسعار السلع ترتفع بلا هوادة. في ظل هذا الوضع، ظهرت الحاجة إلى حل مختلف – حل لا يعتمد على الآليات التقليدية للبنوك المركزية، بل على نموذج أكثر انضباطًا واستقلالًا. أحد أبرز هذه النماذج هو "مجلس النقد"، الذي يعتمد على ربط العملة المحلية بعملة أجنبية قوية ويمنع طباعة النقد بلا غطاء. ومع أن الفكرة تبدو جذرية، إلا أن اليمن بحاجة إلى حل جذري يعيد الثقة والاستقرار ويوقف انهيار الريال. وهنا تحديدًا يبرز الريال السعودي كخيار منطقي للربط، خاصة وأن ما يزيد عن 60٪ من التحويلات والمعاملات المالية في اليمن تتم به فعليًا، ما يعكس عمق العلاقة النقدية بين العملتين في الواقع اليومي للمواطنين.
في هذا السياق، تأتي فكرة "مجلس النقد" كخيار واقعي لإنقاذ الريال اليمني، إذ يعمل كنظام يربط إصدار العملة المحلية مباشرة باحتياطي من عملة أجنبية قوية، ويمنع أي طباعة للنقد إلا بوجود مقابل حقيقي. ويمكننا تشبيه هذه الخطوة بربط القارب الصغير (الريال اليمني) بسفينة ضخمة مستقرة ترسو في ميناء موثوق، بحيث لا يغرق القارب في أمواج السوق المتلاطمة. والسفينة المقترحة هنا هي الريال السعودي، ليس فقط لقوته واستقراره، بل لأن التعامل به في اليمن أصبح أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله، خاصة في الجنوب والمناطق التجارية. فإذا استطعنا ربط الريال اليمني قانونيًا وإجرائيًا بالريال السعودي ضمن نظام مجلس نقد مستقل، يمكن أن نحقق استقرارًا تدريجيًا دون الحاجة إلى قرارات سياسية معقدة. المشروع ليس جديدًا عالميًا، لكنه جديد في السياق اليمني، ويحتاج إلى شجاعة سياسية وقانونية لتمريره. ومثلما نجحت تجارب دول أخرى بعد الحروب، يمكن لليمن أن يحذو حذوها إذا ما توفرت الإرادة والدعم المؤسسي.
الدول التي خرجت من أزمات نقدية عميقة خاضت تجارب شبيهة بمجلس النقد ونجحت بشكل واضح، ما يعزز مصداقية هذه الفكرة في السياق اليمني. ففي هونغ كونغ، منذ تبني نظام مجلس النقد في عام 1983، تم ربط الدولار الهونغ كونغي بالدولار الأمريكي بسعر ثابت بلغ 7.8 HKD لكل 1 USD. رغم الضغوط الصينية والاضطرابات الاقتصادية، بقيت العملة مستقرة على مدى أكثر من 40 عامًا، وتمكنت هونغ كونغ من تفادي الانهيار خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. وفي إستونيا، بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي في 1991، أنشأت مجلسًا للنقد عام 1992، ربطت فيه الكرون الإستوني بالمارك الألماني ثم لاحقًا باليورو. ونتيجة لذلك، انخفض معدل التضخم من أكثر من 1,000٪ إلى أقل من 3٪ في غضون ثلاث سنوات، ما مهد لانضمامها إلى منطقة اليورو في 2011. أما بلغاريا، فبعد التضخم المفرط الذي شهدته في التسعينات، أنشأت مجلسًا للنقد عام 1997، وربطت عملتها "الليف" بالمارك الألماني، ثم لاحقًا باليورو. خلال عامين فقط، انخفض التضخم من أكثر من 500٪ إلى أقل من 10٪، واستعادت البلاد ثقة المستثمرين، وسجلت تدفقات استثمار أجنبي مباشرة تجاوزت 2 مليار دولار سنويًا في بداية الألفية. هذه التجارب لا تعني أن على اليمن أن ينسخ النموذج حرفيًا، بل أن يستفيد من آلياته الجوهرية في الضبط والانضباط، ويعيد تكييفها بما يتلاءم مع واقعه. نحن لا نبدأ من الصفر، بل علينا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. التجربة البشرية متراكمة، والأزمات النقدية ليست قدرًا أبديًا، بل يمكن تجاوزها متى ما توفرت الرؤية والإرادة والتصميم على التغيير.
أما من الناحية التشغيلية، فإن تنفيذ هذا المشروع يتطلب خطوات مدروسة بدقة: بداية من إعلان نية المجلس الرئاسي، مرورًا بتشريع قانون خاص، وتكوين فريق فني مستقل، إلى اختيار العملة التي سيرتبط بها الريال اليمني وتوفير الغطاء المالي اللازم من خلال وديعة خارجية. كما يتطلب الأمر تجميدًا لطباعة العملة، وإصدار عملة جديدة مضمونة بالكامل، وإطلاق منصة إلكترونية لضبط السعر اليومي. نجاح هذا المشروع لا يُقاس فقط بالأدوات، بل بمؤشرات دقيقة مثل تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، وخفض التضخم، وزيادة التعاملات بالعملة المربوطة. كما يتطلب رقابة داخلية وخارجية، وتقرير دوري يُعرض على المؤسسات الدولية، لضمان الشفافية وتعزيز الثقة.
ومن الجانب القانوني، فإن المشروع يستند إلى سوابق دولية وتجارب ناجحة في الدول الخارجة من نزاع. القانون اليمني نفسه، وفق المادة 14 من قانون البنك المركزي، يتيح اتخاذ أي إجراء يحقق استقرار العملة. كما أن القانون الدولي يجيز إنشاء مجالس نقدية مستقلة في حالات الطوارئ، وسبق أن تم تطبيق ذلك في كوسوفو والبوسنة وتيمور الشرقية. مجلس النقد ليس خرقًا للسيادة، بل وسيلة لحمايتها من الانهيار. بل يمكن تشريعه عبر مرسوم رئاسي مؤقت أو قانون خاص مدعوم من المؤسسات الدولية. إننا لا نتحدث عن فكرة طوباوية، بل عن خيار قانوني وواقعي لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد اليمني. فإذا كان التشخيص دقيقًا، فالعلاج هنا يجب أن يكون جريئًا وشفافًا، وهذا ما يقدمه المشروع بكل وضوح.
ملخص من ورقة علمية قدمتها في مؤتمر جامعة العلوم ، كلية العلوم الاداية ... 20/05/2025