عندما ينخرط المحاربون في معاركهم، يقومون بتدمير كل ما يعترض طريقهم، مما يشكل تهديدًا لهم وللآخرين. لذا، لا ينبغي علينا أن نتوقع من هؤلاء المحاربين أن يساهموا في بناء الأوطان، إذ يفتقرون إلى المهارات والخبرات اللازمة في مجالات البناء والإدارة، وهو ما يتجاوز نطاق اختصاصاتهم. إن شغف المحاربين بالقتال لا يعكس حبهم للحياة، بل يدل على نقص في الخبرة في إدارة الأمن وتنظيم القوات النظامية، وهي مهارات تتطلب معرفة عميقة من أعلى المستويات.
عندما يصبح المحاربون صناع قرار، يتحول البناء إلى هدم وتضيع الآمال في خضم الصراعات. التاريخ يعيد نفسه، فهل نتعلم من تجارب الماضي؟ من الواضح أن القوة وحدها لا تكفي لبناء الأوطان، بل تحتاج إلى رؤية وإدارة حكيمة. دعونا نفكر معًا في مستقبل أفضل، حيث يُستثمر الجهد في البناء بدلاً من الهدم، وتُعطى الأولوية للتعليم والصحة. لنضع الأسس الصحيحة لاستعادة ثروات أوطاننا، ولنباشر رحلة البناء الحقيقية التي تحتاجها شعوبنا.
لم نتعلم من التجارب السابقة بعد ثورة أكتوبر 1963 في اليمن الجنوبي، عندما تولى المحاربون الحكم بعد رحيل الاستعمار. ماذا حدث بعد ذلك؟ شهدت البلاد سلسلة من الحروب الأهلية دون تنفيذ مشاريع استراتيجية جديدة. كيف كان وضع التعليم آنذاك؟ كم كان عدد الأميين، وما هو مستوى المعيشة والاقتصاد رغم وفرة الثروات الطبيعية التي لم تُستغل بشكل مناسب؟
نجد المحاربين منقسمين إلى مجموعات مسلحة، حيث كانت لغة القوة هي السائدة، ويفضلون إنهاء خلافاتهم عبر الحروب الأهلية. وحتى في تسمية الدولة، لم يتفقوا.
اليوم، يتكرر نفس السيناريو في الجنوب، حيث تولى المحاربون السلطة، وما زلنا نشهد عواقب الحروب الأهلية، والاختلالات الأمنية، فضلاً عن التدهور الاقتصادي وغياب الخدمات، وتدهور التعليم والنظام الصحي.
إن التاريخ يعيد نفسه، ويبدو أن الدروس المستفادة من الماضي تُنسى في خضم الصراع على السلطة. في كل مرة يتولى فيها المحاربون زمام الأمور، يتبع ذلك فوضى وعدم استقرار، مما يؤكد أن القوة وحدها لا تبني أمة، بل تحتاج إلى رؤية استراتيجية وإدارة حكيمة.
تظهر الحاجة الملحة لقادة يملكون رؤية شاملة، قادرين على معالجة قضايا التعليم والصحة والاقتصاد. فبدون هذه العناصر الأساسية، سيظل المجتمع محاصرًا في حلقة مفرغة من العنف والانقسام.
يجب أن نستكشف حلولًا بديلة تتجاوز النزاعات المسلحة، وتستند إلى الحوار والبناء المجتمعي. إن استثمار الموارد البشرية والطبيعية بشكل فعال يمكن أن يكون المفتاح لتحقيق السلام والازدهار.
لذا، ينبغي علينا جميعًا، كمجتمع، أن نعزز ثقافة السلام وندعم القيم الإنسانية التي تشجع على التعاون والتفاهم، بدلاً من الانغماس في الصراعات التي لا تؤدي إلا إلى الهدم.
الوقت الآن هو لتوجيه الجهود نحو بناء مستقبل أفضل، حيث يمكن للجميع أن يسهموا في إعادة بناء ما تم هدمه وخلق بيئة آمنة ومستقرة للجميع.