آخر تحديث :الثلاثاء-05 مايو 2026-05:51م

الطفيليات التجارية كمشاريع هدم اقتصادي

الثلاثاء - 08 يوليو 2025 - الساعة 10:12 م
عبدالحكيم عبيد

بقلم: عبدالحكيم عبيد
- ارشيف الكاتب


لا يمكن إنكار الدور الحيوي الذي يلعبه النشاط التجاري في بناء الاقتصاد، فالتجارة كانت ولا تزال شريان الحياة لأي مجتمع، تنقل له احتياجاته من الخارج، وتحفز المنافسة الداخلية، وتفتح فرصًا لا حصر لها للإنتاج والخدمات والتنمية. كما أن الاستيراد، في جوهره، ضرورة طبيعية في دورة أي اقتصاد؛ إذ لا توجد دولة تستطيع إنتاج كل ما تحتاجه دون الاستعانة بالأسواق العالمية.


إلا أن المشهد التجاري لا يخلو من طفيليات دخيلة، تتسلل إلى جسد الاقتصاد فتنهشه وتضعفه بدلاً من أن تقويه. هؤلاء هم من لا يرون في التجارة وسيلة للتنمية أو شراكة في البناء، بل مجرد غنيمة سريعة ومكاسب سهلة، حتى لو كانت على حساب وطن بأكمله.


إنهم أولئك الذين يلجون عالم التجارة لا بخبرة أو رؤى أو رأس مال مشروع، بل من خلال صفقات الفساد والتسهيلات الخاصة، ليحجزوا موقعًا لهم في قوائم الموردين والمقاولين، او يعملون كواجهات لنافذين، لتصبح التجارة هنا مجرد ستار للفساد المنظم.


ولا يقف الأمر عند هؤلاء، بل ثمة طفيليات أخرى تظهر فجأة في السوق كتجار وموردين دون أن يكون لهم أي نشاط تجاري حقيقي أو علامات تجارية معروفة أو حضور مؤسسي، فيستوردون من أسواق هامشية أرخص البضائع، بلا اعتبار لمعايير الجودة أو سلامة المستهلك، ولا رغبة لهم أصلاً في بناء حضور طويل الأمد في السوق، فهم مجرد تجار شنطة يبحثون عن ربح سريع ثم يختفون تاركين خلفهم سوقًا مرهقة بسلع رديئة.


وهناك من يستفيدون من ضعف الرقابة ليضخوا منتجات مغشوشة أو مقلدة أو مضروبة، يمارسون إغراقًا سلعيًا ينافس المنتجات الوطنية بوسائل غير عادلة، ليصبح المواطن اليمني، والإنتاج المحلي هما الخاسران الأكبران في هذه الحرب غير المتكافئة.


والأدهى من كل ذلك، أن تجد البعض ممن يصنفون كرجال اعمال ومن كبار الموردين ممن يملكون القدرة المالية واللوجستية، بدلا من ان يمتلكوا رؤية ورغبة لان يتحولوا تدريجيًا نحو توطين جزء من وارداتهم أو تأسيس خطوط إنتاج محلية، وتشغيل أيادي عاملة، تجدهم في الحقيقة يتهربون من هذا الدور الوطني، مفضلين الربح السهل والمريح من الاستيراد الخالص، دون أن يضعوا في اعتبارهم أن الوطن لا يبنى بالاستيراد وحده، بل بالتجارة المنتجة والتصنيع والعمل الحقيقي الذي يشغل الناس ويدير عجلة الاقتصاد.


إن أخطر ما في هؤلاء الطفيليات التجارية أنهم لا يكتفون بالتكسب على حساب السوق والمستهلك والاقتصاد، بل يتحولون إلى لوبيات ضغط قوية تقف حجر عثرة أمام أي مشروع وطني جاد للتوطين أو حماية الإنتاج المحلي. فهم يرون في التوطين خطرًا على مصالحهم الضيقة، وفي التنمية الصناعية تهديدًا لأرباحهم السهلة. لذلك تجدهم في مقدمة المعارضين لأي توجه إصلاحي يعزز الإنتاج المحلي أو يشترط نسب تصنيع وطنية أو يفرض معايير جودة صارمة.


إن التجارة الحقيقية، كما يجب أن تكون، شراكة في البناء وعملية إنتاجية مجتمعية، وليست غنيمة طارئة ولا وسيلة فساد ولا واجهة للتسلط، كما أن الاستيراد المنظم يبقى ضرورة اقتصادية ملحة، لكن ترك السوق نهبًا لهؤلاء الطفيليات دون رادع ولا سياسة وطنية للتوطين والتصنيع هو حكم بالإعدام على أي حلم اقتصادي مستقل.