آخر تحديث :الأحد-31 أغسطس 2025-12:08م

حضرموت بين صعود بن حبريش وإعادة رسم خارطة النفوذ في شرق اليمن

السبت - 02 أغسطس 2025 - الساعة 10:14 ص
د/ عبدالوهاب العوج

بقلم: د/ عبدالوهاب العوج
- ارشيف الكاتب


أ.د. عبدالوهاب العوج – أكاديمي ومحلل سياسي يمني


تشهد حضرموت، ومن خلفها شرق اليمن، تحولات لافتة في الأسابيع الأخيرة، وسط تسارع في إعادة ترتيب موازين القوى، وانخراط متزايد للمملكة العربية السعودية في هندسة المشهد اليمني من جديد، خاصة في ظل تصاعد التنافس غير المعلن مع دولة الإمارات حول النفوذ والسيطرة في المحافظات الجنوبية والشرقية. الحدث المحوري في هذا السياق تمثل في العرض العسكري الذي شهدته مدينة سيئون مطلع أغسطس الجاري، والذي كشف عن دفعة جديدة من التشكيلات الأمنية والعسكرية التي تم إعدادها بدعم سعودي مباشر. هذا العرض، من حيث التوقيت والمكان، لم يكن محصورًا في دلالاته المحلية، بل بدا وكأنه تعبير عن انتقال ثقل القرار السعودي إلى حضرموت، في سياق إعادة تموضع استراتيجي يتجاوز مجرد دعم الحكومة الشرعية. ضمن هذا السياق، يبرز اسم الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت، ورئيس مؤتمر حضرموت الجامع، والمرجعية القبلية والاجتماعية الأبرز في وادي حضرموت.

حيث يمثل بن حبريش منذ سنوات صمام أمان اجتماعيًا وقبليًا في مناطق الوادي، ويحظى بقبول واسع يتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية. وتشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن الرياض تنظر إلى بن حبريش كشخصية محلية تملك شرعية مجتمعية وقدرة على قيادة مسار حضرمي ضمن المعادلة الوطنية الجديدة، بعيدًا عن الاستقطابات الحزبية أو الارتباطات الخارجية. تزامن ظهوره مجددًا في مقدمة المشهد مع الدعم السعودي للعرض العسكري الأخير، يعزز من احتمالية أن يتم الدفع به إلى واجهة سياسية أعلى، سواء ضمن المجلس الرئاسي أو في أي إطار قيادي بديل في المرحلة القادمة. لا يبدو أن صعود دور بن حبريش جاء من فراغ. فحضوره الحذر في السنوات الماضية، وعلاقاته المتزنة مع مختلف الأطراف، جعله المرشح الأوفر حظًا لقيادة مسار حضرمي وطني مستقل عن الانتقالي من جهة، وعن القوى الحزبية الشمالية من جهة أخرى. وهو مسار ينسجم مع توجه سعودي يسعى إلى تقوية الشراكات المحلية بعيدًا عن المشاريع الإقصائية، وبناء مراكز ثقل جديدة أكثر تجذرًا في مجتمعاتها.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التحركات السعودية في حضرموت عن السياق الإقليمي الأوسع. فالإمارات التي ركزت نفوذها على عدن وسقطرى وشبوة عبر المجلس الانتقالي، تواجه اليوم تحركات سعودية لإقامة بنية أمنية وعسكرية موالية للرياض في الشرق، تمتد من المهرة إلى وادي حضرموت. ولا تخفي هذه الخطوة رغبة سعودية في تقليص مساحة النفوذ الإماراتي في الجنوب، من خلال خلق قوة حضرمية ذات ولاء مباشر، وقيادة غير منخرطة في الصراعات الانفصالية. في هذا الإطار، لا يمكن إغفال التوتر المتصاعد بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمكونات الحضرمية وفي مقدمتها مؤتمر حضرموت الجامع، الذي يعارض بقوة محاولات الانتقالي لفرض سيطرته الإدارية والعسكرية على ساحل حضرموت، ورفض صيغ الضم القسري التي يسعى إليها المجلس ضمن مشروعه الانفصالي.

ان هذا الصراع بات يظهر على السطح و بشكل جلي في الخطاب السياسي والإعلامي، وبلغ ذروته مع تصعيد الانتقالي في المكلا، ومحاولاته المتكررة لنقل التوتر إلى الوادي، في ظل تمسك القوى الحضرمية بمشروع حضرمي خاص لا يذوب في المجلس الانتقالي ولا ينخرط في الصراعات الإقليمية.

ومما يزيد من تعقيد هذا الصراع هو تعدد المكونات الحضرمية، حيث يتوزع التأثير بين مرجعيات قبلية، ومؤتمر حضرموت الجامع، والحراك الجنوبي الحضرمي، ومكونات مدنية جديدة بدأت بالظهور أخيرًا في مناطق الساحل والوادي، ما يجعل المشهد أكثر تركيبًا من مجرد صراع بين طرفين. من ناحية أخرى، تستفيد السعودية من هذا التعدد في تجنب احتكار التمثيل الحضرمي من قبل طرف واحد، وتسعى لتكوين نموذج توافقي يوازن بين كل هذه المكونات، وهو ما يفسر دعمها لبن حبريش كشخصية تحظى بقبول عابر للتوجهات المتصارعة.

لكن، هل الأمر يتعلق فقط بإعادة توزيع النفوذ بين الرياض وأبوظبي؟ أم أن ثمة نية سعودية للذهاب أبعد من ذلك نحو إعادة إطلاق مشروع الجمهورية اليمنية الاتحادية في مواجهة الحوثيين؟ التحركات العسكرية في وادي حضرموت، والنقاش المتصاعد حول مستقبل المجلس الرئاسي، ومواقف السعودية المتقدمة حول وحدة اليمن ونظامه الاتحادي، توحي بأن الرياض تخطط لتحريك المياه الراكدة في الشمال كذلك، وليس فقط إعادة ترتيب أوراق الجنوب. فالمؤشرات القادمة من العواصم الغربية تؤكد أن هناك نية دولية لإعادة إطلاق عملية سياسية شاملة تتجاوز التسويات الثنائية الهشة، وترتكز على قواعد فيدرالية تمنح الأقاليم دورًا مباشرًا في إدارة شؤونها ضمن الدولة الواحدة. من هذا المنظور، فإن بناء قوة حضرمية مهنية، مستقلة عن أدوات أبوظبي، وقادرة على السيطرة على وادي حضرموت وتأمينه، يندرج ضمن مشروع أوسع يهدف إلى تشكيل نموذج مستقر في شرق اليمن، يشكل قاعدة انطلاق لمشروع وطني جامع. وإذا ما رُبط ذلك بإعادة هيكلة المجلس الرئاسي، فقد نكون أمام ولادة نواة حكم اتحادي تُراد لها أن تكون أكثر تمثيلًا وتوازنًا بين القوى والمناطق. غير أن هذا المشروع، رغم وجاهته السياسية، يواجه تحديات حقيقية. فالانتقالي الجنوبي يرى في أي تصعيد لحضرموت خارج مظلته تهديدًا مباشرًا لمشروعه، ويعارض بشدة أي صيغة فيدرالية لا تضمن له السيطرة على عدن وسواحل الجنوب. أما الحوثيون، فيرفضون أصلًا أي شكل من أشكال النظام الاتحادي، ويصرون على بقاء صنعاء كمركز وحيد للسلطة. وبين هؤلاء وأولئك، يبقى المجتمع الدولي مترددًا في فرض خارطة طريق واضحة، ما يجعل الرياض في موقع القيادة شبه المنفرد لهذا المسار.

إن دخول بن حبريش إلى دائرة الفعل السياسي الأوسع، سواء في شكل تمثيل رسمي في مجلس القيادة أو كمحور لقوة إقليمية حضرمية موالية للرياض، لا ينبغي النظر إليه كتحرك قبلي صرف، بل كإعادة تموضع استراتيجي لحضرموت في معادلة الدولة اليمنية القادمة. وهذا التموضع، إن نجح، قد يغير قواعد اللعبة من جديد، وينقل حضرموت من الهامش إلى المركز، في لحظة فارقة من تاريخ اليمن الحديث. وفي ظل المشهد المضطرب مع تصاعد الاحتجاجات في محافظة حضرموت والتراشق بالاتهامات بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمكونات الحضرمية و بخاصة حضرموت الجامع و بن حبريش وتحميله مسؤلية ما يحدث، ورغم ذلك تظل حضرموت مرشحة لأن تكون بيضة القبان في ميزان النفوذ القادم واحداث توازن بين خيار الدولة اليمنية الاتحادية ومشاريع الانفصال والتقسيم، لا باعتبارها فقط مخزونًا نفطيًا وثروات بحرية...وغيرها، بل باعتبارها مساحة اجتماعية وثقافية مستقرة نسبيًا، يمكن البناء عليها كنموذج لإعادة تشكيل الدولة. هل ستتمكن الرياض من تمكين هذا النموذج؟ هل ينجح بن حبريش في تجاوز التحديات والانتقال من الدور القبلي المحلي إلى مركز قرار سياسي وطني؟ وهل تقبل القوى اليمنية الأخرى بهذا التحول دون مقاومة؟ كل هذه الأسئلة تظل مفتوحة، ولكن المؤكد أن حضرموت لم تعد هامشًا قابلاً للتجاهل، بل أصبحت عنوانًا للتوازن القادم.


المصادر والمراجع:

مقابلات مع شخصيات يمنية مشاركة في التحضيرات بحضرموت (غير منشورة، أغسطس 2025).

تقرير معهد الشرق الأوسط: The Saudi-Emirati Rivalry in Yemen، 2024.

تقرير Crisis Group: Yemen’s Fragile South: Balancing Power and Politics، يوليو 2024.

وثائق مؤتمر الحوار الوطني اليمني، 2013.

بيانات رسمية سعودية منشورة عبر وكالة الأنباء السعودية (SPA)، 2024-2025.

تصريحات السفير الأمريكي في اليمن، ستيفن فاجن، حول وحدة اليمن، سبتمبر 2024.

بيانات المبعوث الأممي إلى اليمن، هانز غروندبرغ، حول الحل السياسي، يونيو 2025.

---

أ.د.عبدالوهاب العوج أكاديمي ومحلل سياسي يمني