آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-11:32م

حين يتبدل المشهد في تقلبات الصرف: من يفرح بانهيار الريال ومن يشكو من تحسنه

الجمعة - 08 أغسطس 2025 - الساعة 10:11 ص
د.علي القحطاني

بقلم: د.علي القحطاني
- ارشيف الكاتب


بقلم د. علي القحطاني

الجمعة 8 أغسطس 2025م


استغراب من تقلبات سعر الصرف في اليمن بين الأمس واليوم لطالما كانت تقلبات أسعار الصرف في اليمن مرآة تعكس واقعاً اقتصادياً متغيراً، وتكشف عن تناقضات صارخة في ردود أفعال فئات المجتمع المختلفة، وإنها قصة تتكرر فصولها، حيث يتبادل أصحاب الرواتب المحدودة ومن يعتمدون على العملات الصعبة الأدوار في الشكوى والاستمتاع، تبعاً لاتجاه مؤشر الصرف، وهذا المقال نستعرض فيه هذه الظاهرة المثيرة للاستغراب، لتسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية والاقتصادية لهذه التقلبات.


بالأمس معاناة أصحاب الرواتب المحدودة المحلية واستمتاع أصحاب العملات الصعبة ومر وقت طويل يتعذب أصحاب الرواتب المحدودة عندما كان الريال اليمني يشهد انهياراً غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، وفي تلك الفترة، وصل سعر صرف الريال السعودي الواحد إلى ما يقارب 800 ريالاً يمنياً، وكانت تلك الأيام كابوساً حقيقياً لأصحاب الرواتب المحدودة الذين يتقاضون أجورهم بالعملة المحلية، وكانت صرخاتهم وشكواهم من تآكل قدرتهم الشرائية لا تجد آذاناً صاغية، فكل يوم يمر كان يعني أن قيمة رواتبهم تتضاءل أكثر فأكثر، وأن الأساسيات المعيشية تزداد صعوبة في الحصول عليها، وكانت الأسواق تشتعل بالأسعار، والهموم تتراكم على كاهل الأسر التي تعيش على دخل ثابت لا يواكب جنون الصرف، وفي المقابل، كان المشهد مختلفاً تماماً بالنسبة لأولئك الذين يستلمون رواتبهم أو مدخراتهم بالريال السعودي أو الدولار الأمريكي، ولقد كان البعض منهم يستمتعون بانهيار سعر الصرف وهم أقليه الذين ليس لديهم رؤية وفهم بعمق أنهم كذلك مستفيدين ، فكلما انخفضت قيمة الريال اليمني، زادت القوة الشرائية لعملاتهم الصعبة، كانوا يشعرون بالرخاء النسبي، بينما يغرق الآخرون في مستنقع الفقر ويذبحون من الوريد إلى الوريد ويتضورون جوعاً لم تكن شكاوى الفئة الأولى تعنيهم كثيراً، فمصالحهم كانت تتوافق تماماً مع اتجاه السوق الذي كان يخدمهم على حساب الغالبية العظمى من الشعب.


واليوم تبدل الأدوار والشكوى من بعض أصحاب العملات الصعبة واليوم، وبعد جهود مضنية من القيادة السياسية، شهد الريال اليمني تحسناً ملحوظاً في قيمته، وأصبح الريال السعودي الواحد يساوي حوالي 425 ريالاً يمنياً، وهو ما يمثل انتعاشاً كبيراً مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا، وهذا التحسن جاء ليصب في مصلحة أصحاب الرواتب المحدودة بالعملة اليمنية، الذين بدأوا يشعرون ببعض الانفراج، حيث استعادت رواتبهم جزءاً من قيمتها الشرائية، وأصبحت الأسعار أكثر استقراراً نسبيًا، ولكن، المثير للاستغراب هو تبدل الأدوار، فاليوم، تجد الذين البعض من يستلمون رواتبهم بالريال السعودي والدولار هم من يشكون ويبكون، لقد انقلبت الآية، وأصبحوا ينظرون لأنفسهم بإنهم هم المتضررين من تحسن الريال اليمني، أصبحت نقاشاتهم تدور حول ارتفاع أسعار السلع بالريال السعودي، متجاهلين تماماً أن هذا الارتفاع هو في حقيقة الأمر انخفاض في سعر السلعة بالريال اليمني، وعلى سبيل المثال، يشتكون من أن كيس الدقيق السنابل الذي كان سعره 100 ريال سعودي أصبح الآن سعره 120 ريالاً سعودياً، بينما لا يتحدثون عن سعره بالريال اليمني، الذي انخفض بشكل كبير حيث كان قيمة الكيس 64 ألف ريال يمني، واليوم عند تحسن الوضع المالي أصبح 46 ألف ريال يمني، هذا التناقض يكشف عن طبيعة المصالح الذاتية التي تحرك ردود الأفعال، فبينما كان انهيار العملة يخدم مصالح فئة معينة، كانوا صامتين أو مستمتعين، وعندما تحسن الوضع لصالح الغالبية، بدأت هذه الفئة بالشكوى، إنها دورة لا تنتهي من الشكوى والرضا تتغير بتغير مؤشر الصرف، وتكشف عن غياب النظرة الشاملة للمصلحة العامة وتطلعات نحو الاستقرار والتعافي الكامل.


نسأل الله أن يستمر هذا التحسن في قيمة الريال اليمني، وأن تنزل قيمة الريال السعودي إلى مستويات أكثر استقراراً، حتى يصل إلى 150 ريالاً يمنياً، وإن استقرار الأوضاع المالية وتعافي الريال اليمني بشكل كامل هو السبيل الوحيد لضمان حياة كريمة لجميع المواطنين، سواء كانوا موظفين في الدولة أو غير موظفين، أو مغتربين ففي النهاية، الهدف الأسمى هو تحقيق استقرار معيشي يمكن الجميع من العيش بكرامة وأمان، بعيداً عن تقلبات أسعار الصرف التي تحول حياة الناس إلى رهان دائم على مؤشر اقتصادي لا يرحم.