آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-10:10م

أين يتّجه الناس في اليمن إذا غاب نموذج مثل بيت هائل سعيد أنعم؟

الجمعة - 08 أغسطس 2025 - الساعة 10:16 ص
إياد عباس غالب

بقلم: إياد عباس غالب
- ارشيف الكاتب


أين يتّجه الناس في اليمن إذا غاب نموذج مثل بيت هائل سعيد أنعم؟

إياد عباس غالب

في الوقت الذي تُكابد فيه البلاد تحديات اقتصادية مركّبة، وتعيش مؤسسات الدولة تحت ضغوط الانقسام والتآكل، تتجه الأنظار إلى ما تبقّى من الكيانات الوطنية القادرة على المحافظة على الحد الأدنى من التماسك الاقتصادي والاجتماعي. وفي مقدمة هذه الكيانات، يبرز بيت هائل سعيد أنعم بوصفه نموذجًا وطنيًا راسخًا، نشأ من داخل المجتمع اليمني، وتوسّع عبر عقود بجهود وطنية خالصة، بعيدًا عن امتيازات السلطة أو حماية النفوذ.


لقد استطاعت هذه المجموعة، على مدى أكثر من سبعين عامًا، أن ترسّخ حضورها داخل الاقتصاد اليمني، لا بوصفها تاجرًا ضخمًا فحسب، بل باعتبارها جزءًا من النسيج التنموي الذي قدّم مساهمات حقيقية في قطاعات التعليم والصحة والتشغيل، فضلًا عن شراكتها غير المعلنة — وغير الممنونة — في التخفيف من الأعباء المعيشية على آلاف الأسر اليمنية في مختلف المحافظات.


لكن، وبفعل طبيعة الحرب التي تمر بها البلاد، ومع تصاعد الإحباط العام في أوساط المجتمع نتيجة، تتعرّض المجموعة لحملات تشكيك وانتقاد — بعضها بدافع الحاجة إلى مكاشفة ومساءلة، وبعضها الآخر تحت تأثير مناخ الحرب والفقر، الفساد ونزعات التفرقة ودعوات الانفصال..


إن من الإنصاف القول إن بيت هائل سعيد أنعم يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية على مستوى المجموعة وعلى مستوى البلد، تتمثل في انتقال القيادة من الجيل المؤسس وأبنائه، إلى الجيل الثالث من الأحفاد. وهو انتقال طبيعي في دورة المؤسسات العائلية، لكنه يتطلب كثيرًا من الحنكة والوعي بمتطلبات المرحلة والظروف التي تمر بها اليمن على مختلف الصعد والتي تستدعي دور إنساني ومساند للدولة الحامية للجميع، فاليمن تمر بمرحلة لا تشبه أي مرحلة سابقة لا من حيث مستوى التحديات، ولا في حجم التوقعات المجتمعية. إن المطلوب من هذا الجيل الجديد — الذي نلحظ بدايات انخراطه في الإدارة العليا — أن يحافظ على البعد الأخلاقي غير الربحي الذي تميزت به المجموعة، وأن يعزّز شفافيتها المجتمعية، ويقدّم نموذجًا وطنيًا حديثًا يتفاعل مع قضايا الناس بصورة أكثر مباشرة ومسؤولية. وهذا ما شهدناه في ريادة وقيادة مجموعة هائل سعيد الإعلان عن تخفيض المنتجات الخاصة بها بما يتوائم مع سعر الصرف.. والذي ينبغي على جميع رؤوس الأموال في اليمن والغرف التجارية مساندة الدولة في جهودها وحذو المجموعة فاللحظة تستدعي هذا الموقف الشجاع والقوي.

بموازاة ذلك، لا بد من التنبيه إلى التحدي الأخطر الذي يتسلل بهدوء: اقتصادات الحرب، التي كوّنت رؤوس أموال سائلة ضخمة خارج المنظومة الإنتاجية، وتسعى اليوم إلى مأسسة نفوذها من خلال الاستحواذ على المصانع والأنشطة الاقتصادية القائمة، لا لتوسيع الإنتاج، بل لشراء النفوذ وتدوير الأرباح في دوائر مغلقة. وازاحة رؤس الأموال الإنتاجية الحقيقية.. هنا تكتسب المؤسسات الإنتاجية القديمة — وفي مقدمتها بيت هائل سعيد أنعم — أهمية وطنية تتجاوز النشاط التجاري، لتصبح أحد الحصون الاقتصادية الأخيرة في وجه التشوهات التي تُنتجها الحروب.



من حق المجتمع أن يطالب بالشفافية والمساءلة، ومن واجب المؤسسات الكبرى أن تتفاعل مع هذا المزاج الوطني المتغيّر، لكن من الخطأ اختزال المشهد في ثنائية "الملاك أو الشيطنة"، أو تحميل الكيانات الوطنية ما تعجز الدولة نفسها عن حمله. لقد أثبتت التجربة أن الهدم أسهل كثيرًا من البناء. وأن من تبقّى من المؤسسات الكبرى التي حافظت على استقرارها واستمراريتها، يستحق أن يُدعَم ويُنتقد بوعي، لا أن يُحاصَر بالشائعات والتأويلات.


خاتمة: مسؤولية وطنية مشتركة..

بيت هائل سعيد أنعم ليس معصومًا من النقد، ولا معفيًا من المسؤولية الاجتماعية. لكنه — في السياق اليمني المعقّد — يمثل نموذجًا قلّ مثيله من حيث الاستمرارية، وحجم التشغيل، واستقرار الأداء ينبغي الاقتداء به وتعزيزه كقصة نجاح يمنية يمكن تكرارها والاستفادة منها سواء على مستوى الدولة ومؤسساتها أو على مستوى تجارب القطاع الخاص.


ومن هنا، فإن التعامل معه ينبغي أن يكون ضمن رؤية وطنية متكاملة، تراعي أهمية الحفاظ على ما تبقى من مرتكزات اقتصادية متينة في بلد يُهدّده الانهيار من كل جانب. إن المطلوب اليوم ليس الاحتفاء الأعمى، ولا الهدم الغاضب، بل العمل على ترسيخ ثقافة الشراكة بين رأس المال الوطني والمجتمع، ضمن بيئة تؤمن أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم عبر استعداء من تبقّى من أعمدتها الاقتصادية.


انتهى.