آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-07:42م

اليمن .. حين تتقاطع المسارات وتتعاظم التحديات ::

الإثنين - 25 أغسطس 2025 - الساعة 05:18 م
ماهر باوزير

بقلم: ماهر باوزير
- ارشيف الكاتب


لم يعد اليمن يعيش أزمة عابرة، بل يقف على مفترق تاريخي تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، والمجتمع بالأمن، في مشهد بالغ التعقيد، الأزمة لم تعد صراعاً تقليدياً على السلطة، وإنما تحولت إلى شبكة معقدة من التفاعلات الداخلية والخارجية، تجعل الخروج من النفق مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة .

المسار السياسي يظل الأكثر تعقيداً، حيث تتعثر المبادرات والاتفاقات، وتتوارى الدولة الجامعة خلف كيانات متنازعة تتنافس على السلطة والنفوذ، التدخلات الإقليمية والدولية عمّقت الانقسام، فتحولت الجغرافيا اليمنية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، فيما بقي المواطن أسير هذا التجاذب، حتى "الشرعية" نفسها أصبحت مفهوماً إشكالياً، فهي حاضرة في الخطاب السياسي لكنها ضعيفة على الأرض، الأمر الذي فتح الباب أمام مشاريع بديلة تهدد فكرة الدولة اليمنية الواحدة .

أما المسار الاقتصادي، فقد كشف هشاشة الدولة أمام أول اختبار حقيقي، اعتماد اليمن على النفط والغاز كمورد شبه وحيد جعله عرضة للتقلبات، ومع سنوات الحرب انهارت العملة وارتفعت الأسعار، وتوقفت مرتبات موظفي الدولة في مناطق واسعة، فصار المواطن يواجه معركة يومية للبقاء، الفساد وسوء الإدارة عمّقا الانهيار، فيما غابت السياسات التنموية وحضر العبث بالموارد .

وفي خضم هذا الواقع، أخذ رئيس الوزراء الحالي سالم بن بريك على عاتقه مهمة تحديث واسعة للإدارة المالية والاقتصادية، بالتنسيق مع البنك المركزي، وقد نجحت الحكومة في المرحلة الأولى من برنامج الإصلاحات الاقتصادية، حيث تمكنت من تثبيت سعر صرف العملة عند حدود 428 ريالاً مقابل الريال السعودي، وتوفير احتياطي نقدي كافٍ لتغطية اعتمادات الاستيراد، كما تم حشد موارد الدولة وإعادة توجيهها نحو صرف المرتبات المتأخرة، مع وعود بتحسين الأجور ومعالجة التسويات المالية مستقبلاً، وتستعد الحكومة حالياً لإطلاق المرحلة الثانية من التعافي الاقتصادي، التي تستهدف تعزيز الاستقرار النقدي وزيادة قدرة البنك المركزي على الوفاء بالتزامات الدولة، غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، ما تزال مرهونة بمدى استدامة الموارد وتحييد عوامل الفساد وسوء الإدارة، إضافة إلى ضرورة خلق بيئة استثمارية وتنموية تقلل من الاعتماد المفرط على النفط والغاز، وتفتح الباب أمام شراكات إقليمية ودولية لإعادة الإعمار .

المجتمع اليمني بدوره يمر بتحولات عميقة فرضتها الحرب، ملايين النازحين، وانقسام الأسر، وصعود الولاءات والهويات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة، كلها مظاهر تهدد السلم الاجتماعي، والأخطر أن جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب نشأ وسط الحرب، ما يجعل مهمة إعادة دمجهم وصناعة السلام أكثر صعوبة في المستقبل، لقد أنتجت الحرب "مجتمعات صغيرة" لها قيمها وأعرافها الخاصة، وهو ما يتطلب معالجة معمقة لقضايا الثأر والانتهاكات والإخفاء القسري كخطوة أولى قبل الحديث عن تسويات سياسية عليا .

التحديات الأمنية لا تقل خطورة، إذ غابت الدولة أو غُيبت، بينما فرضت الجماعات المسلحة سيطرتها بقوة السلاح، الإرهاب والتطرف ما زالا ورقة مفتوحة، في وقت يشكل صراع النفوذ الإقليمي والدولي تهديداً دائماً للاستقرار، ولم يعد اليمن شأناً داخلياً بحتاً، بل جزءاً من معادلة الأمن البحري الدولي (باب المندب – البحر الأحمر – خليج عدن)، ما يجعل أي تسوية سياسية مرهونة بمدى توافق القوى الإقليمية والدولية على ضمان حرية الملاحة وأمن الطاقة .

وسط هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال :

كيف يخرج اليمن من هذا النفق ؟

لا طريق سوى التوافق السياسي اليمني – اليمني، بعيداً عن الإملاءات الخارجية، وإصلاح اقتصادي شامل يعيد توزيع الموارد بعدالة ويحد من الاعتماد الأحادي على النفط، كما أن المصالحة الوطنية وتعزيز الهوية الجامعة شرط لا غنى عنه لتجاوز الانقسامات، إلى جانب إشراك النخب المحلية والمجتمع المدني في رسم السياسات وصناعة القرار، الحل لن يكون آنياً أو سحرياً، بل عبر مسار تدريجي يبدأ من تثبيت الأمن، مروراً بترتيبات اقتصادية عاجلة، وصولاً إلى بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على نموذج لامركزي متوازن يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة دون أن يقوض الدولة المركزية .

إن مستقبل اليمن سيظل مرهوناً بقدرة أبنائه على تجاوز خلافاتهم وصياغة مشروع وطني جامع يوازن بين ضرورات السلام واحتياجات التنمية، ورغم ضخامة التحديات، يبقى الأمل قائماً في أن يتحول هذا البلد، الذي أنهكته الحروب، إلى ساحة جديدة للسلام والبناء، فاليمن لن ينهض إلا بإرادة أبنائه، وبقدرتهم على تحويل الألم إلى أمل، والخراب إلى بناء .