انني على دراية تامة أن من يقرأ العنوان ، أما أن يتجاوز هذه السطور ولا يقرأها ، أو ربما يبدأ في اطلاق وابل من عبارات التشاؤم والاشمئزاز وعدد من التساؤلات عن فحوى الحديث في هذا الجانب ، خاصة في ظل الظروف المأساوية الاجتماعية والحياتية الصعبة التي يعيشها أبناء عدن ، أطفال وشباب وعجزة وهم يعانون من قساوة المعيشة ولهيب حرارة الصيف التي لا ترحم تزامنا مع انعدام الكهرباء ويرافق ذلك أوبئة لا حصر لها وقد أكتظت العيادات المرافق الصحية بمئات الضحايا والمصابين وأكوام من الديون المؤرقة لكاهل المواطن المطحون في هذه المحافظة المنكوبة.
ولكنني أرجوكم عذراً السماح لي بطرح وجهة نظر – ليس إلاّ – لعل لها شيء من القبول عند البعض متى ما تفهمنا الموضوع ، ووضعنا أيدينا على مكامن الداء لنمسك بسبب الداء الحقيقي لنتمكن من محاولة علاجه وحسب امكانياتنا البسيطة المتواضعة ، عسى في ذلك شيء من مغامرة ، أو محاولة التفكير خارج الصندوق ..
لنعد قليلاً بضع خطوات للوراء – وأنا هنا لا أتغزل بالماضي ولست ممن تقوقع في زمن الذكريات وبات مهووساً بها ، متناسياً واقع مرير لم أستطع التكييف عليه أو أستصيغه بالمطلق – ولكني ربما أتذكر وأذكر فحسب ، لعلها تنفع المؤمنين !!
منذ الاستقلال أنصبّت جهود الحكومة الوليدة – آنذاك – على الاهتمام بالنشء منذ الطفولة ، وعملت على رعاية الأطفال منذ الروضة وحتى أعلى مراحل الدراسة الجامعية ، فنشأت أجيال متعلمة وواعية مثقفة ، وطموحة أيضاً لغدٍ مشرق وسعيد لكل فئات المجتمع .. حتى وصل المجتمع إلى مستويات رفيعة من التعليم والخلق والحضارة المجتمعية وانعدام الأوبئة والأمراض حتى وصل ذلك أعلى درجاته في إعلان اليونسكو خلو البلد من الأمية على مستوى المنطقة بنسبة تصل 2% ، ولا زلنا نتذكر إعلان منظمة الصحة العالمية بانعدام الأوبئة والأمراض من البلد ، منافسة بذلك أكبر بلدان المنطقة تقدماً في هذين المجالين ..
وهذا لم يكن غريباً في بلدٍ بدأ من الطفولة في الاهتمام بالنشء منذ الطفولة !!
ونحن في هذه المرحلة الصعبة والمتعبة والتي نعاني فيها كل صنوف المعاناة لدرجة ان البعض وصفها بسقوط كرامة المواطن نتيجة هذه الإخفاقات المقيتة التي أوصلتنا اليها النخب السياسية المتعاقبة والفاشلة منذ 1994م وحتى 2025م صفقة عفنة ورمتنا في خندق تعاسة إنسانية وتفوقت بكثير عن كل الحروب بما فيها حروب النازية والتي لم تتجاوز مداه الزمني الأربع سنوات، فما بالكم بعشر سنوات ( عجاف ) أكلت الأخضر واليابس ، وأحرقت كل المواثيق الإنسانية والأخلاقية بالكامل ..
وتوالت الأجيال – وأجيال الأطفال بالذات – تعاني من الإهمال المطلق في التربية والتعليم ، وصعوبة الانخراط في الدراسة ، بل واستحالة الوصول للمراحل الدراسية العليا التي لا يستطيع تحملها أولياء الأمور نتيجة ضعف الدخل وظروف الغلاء المتصاعد الذي أدى بدوره للفقر والعوَز ويعانيه السواد الأعظم من الناس .. وكذا انعدام الرعاية الصحية المجانية التي كان يحصل عليها الجميع دون استثناء في تلك المرحلة ما قبل النكبة .
وفي ظل كل هذا ، نشأت فكرة البدء في محاولة انتشال هذه الطبقة من البشر ومنذ طفولتهم ، باختيار نخبة من المتفوقين في كل المجالات لإقامة نشاط اجتماعي فني وثقافي كبير يجسد تلك النماذج ويشجعهم في زرع البذرة الأولى في حب التعليم والفن وكل المواهب المختلفة ، ليتسنى إقامة اللبنات الأولى لجيل جديد محب لهذه المدينة العريقة ، وتعبيراً صادقاً لاهتمام كل من قيادة محافظة عدن ووزارة الثقافة في عدن لانتشال حالة الركود والإحباط اللذان سادا المجتمع طوال السنوات الأخيرة الماضية ..
الفكرة أكثر من رائعة ، والأجمل والأسمى منها تلك الرسالة العظيمة التي تسعى لها هذه الفعالية المتميزة .
وإذا نظرنا اليها من ناحية التنفيذ ، فهي معركة عظيمة وفاصلة بين الجهل والتخلف السائد وبين التعليم والتفوق ، والعطاء الذي نغرسه اليوم بين أطفالنا وهم كل آمالنا في غدٍ أفضل وفي تفكير أعمق وأشمل لبناء هذه المحافظة المنكوبة على مدار السنوات الماضية .
لك أن تتخيل أخي الكريم أن يتم اختيار الأطفال المتفوقين في كل مجالات الحياة وهم في هذا العمر الطري اليانع كالزهر في مجالات الثقافية مثلاً من أدب وشعر وكتابة قصة وفي نواحي الفنون الإنسانية الراقية كالمسرح والغناء والموسيقى والفنون التشكيلية والرقص الشعبي والاكروبات وغيرها ..
والأصعب من ذلك أن يشرف ويدير هذه التظاهرة الكبرى أطفالاً من النخبة ويتسابقون على نجاح هذه الفكرة وقد ملأت عقولهم القناعات التامة والطوعية بأنهم على مستوى هذه المسؤولية الكبيرة والتي فشلت فيها قيادات ونخب سياسة لم تولِ أي اهتمام بهذه الشريحة العمرية منذ عشرات السنين ..
لعل التفاؤل الكبير ، والطموح اللامتناهي لدى اللجان الفنية المختصة والمكلفة من قبل مكتب الثقافة في عدن فاق حدود الخيال ، ليس لشيء ، بل لأن هذه الفكرة التي تجاوزت حدود المعقول كانت المبادرة الأولى – كما أسلفنا – لانتشال الوضع الثقافي والفني المأساوي التي مرت به المحافظة ووأدت فيه كل صنوف الابداع وحاربتها لدرجة مقيتة ، فلامست نتائجها أحوالنا الحياتية وكل طبقات المجتمع، ونشرت مظاهر اجتماعية متخلفة بأوجه لا حصر لها ، ودفعنا الكثير ثمناً لها من أعمارنا وأسلوب حياة أطفالنا وشبابنا المتعَب الضائع وفاقد الأهداف والطموحات ..
وأجدها فرصة منادياً وبكل صدق – ومن قلب أدماه الألم – من الحاضر التعيس : دعونا نغامر ونبدأ في تنفيذ هذه الفكرة الرائدة ونعمل على تطبيقها بكل ما اوتينا من قوة ورباط الخيل ، لعل فيها أمل مشرق لغدٍ أفضل ، وبداية لمشوار جديد يساهم فيه معنا كل خيرة المجتمع ومحبي هذه المحافظة العظيمة التي أعطت الكثير وفقدت كل شيء ، حتى أبنائها ومواطنيها ..
ليس عيباً أن نحاول ليكون لنا السبق الجميل في هذا الجانب ، ليس لذاتنا كأشخاص ، ولكن لينابيع المستقبل وبناة الغد .. ونحن جميعاً على ثقة كبير بأن كل الخيرين في هذا المجتمع سيكونون سنداً قوياً لنا من آباء وعائلات ومدارس رسمية أو أهلية ، والكثير الكثير من الطياف الإنسانية التي تحتضنها عدن ويعشقونها وتعشقهم وترعاهم كأم رؤوم وأرض معطاءة وأجمل عطائها هو الانسان المثقف الواعي والمتعايش بسلام مع الجميع وعلى مختلف المراحل السياسية والتاريخية التي عاشتها عدن منذ مئات السنين وحتى اليوم ..
ففي بادرة هي الأولى من نوعها ، عقد بمكتب الثقافة بالعاصمة عدن في الأسبوع الماضي اجتماعاً موسعاً برئاسة الموسيقار أحمد صالح بن غودل مدير مكتب الثقافة ونائبه الأستاذ أسامة المحوري ، والذي حضره عدد من مدراء الإدارات بالمكتب وعدد من الفنانين التشكيليين والموسيقيين والمسرحيين بالعاصمة عدن ، والتي نوقشت فيه خطة تنفيذ إقامة ( مهرجان الطفل العدني الموهوب ) ، وهو المهرجان الأول من نوعه الذي ينظمه مكتب الثقافة برعاية معالي وزير الدولة الأستاذ أحمد حامد لملس محافظ العاصمة عدن رئيس المجلس المحلي.
وقد تم في هذا الاجتماع وضع المقترحات الكفيلة بنجاح المهرجان واتمام العمال المناطة بكل لجنة بحسب الجدول المعدّ من اللجنة التحضيرية ..
وفي الختام لا يسعنا إلاّ أن نتقدم بتحية إجلال وتقدير لقيادة المحافظة وقيادة وزارة الثقافة م/ عدن وكل القائمين على هذا المهرجان المتميز والفريد من نوعه على مستوى الوطن ..
ودائماً كانت عدن السباقة لكل جميل .. وستظل نبراساً للجميع مهما عصفت بها العواصف أو تناوبت عليها نوائب الدهر !