د. علي العسلي
المواطن عمومًا، والمواطن الجنوبي خصوصًا، اليوم لا ينتظر شعارات براقة، بل أفعالًا ملموسة تضمن راتبًا منتظمًا، وخدمات كهرباء وماء وغاز، وعملة مستقرة، ومؤسسات دولة تعمل من عدن لخدمة الجميع. لكن الواقع يقول إن هذه الحقوق ما تزال مفقودة، والمؤسسات العامة معطلة، والمعاناة تتفاقم يومًا بعد يوم.
في هذا السياق، يثير البيان الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي جدلاً واسعًا، خصوصًا عندما يؤكد:
"الأرض أرض شعب الجنوب، والقرار قراره، ولن تثنينا أي محاولات لتجويع شعبنا أو كسر إرادته".
من الناحية السياسية والدستورية، يُعد هذا التصريح انفرادًا بالسلطة وتهديدًا للشرعية الوطنية، فعضو مجلس القيادة الرئاسي، اللواء عيدروس الزبيدي، ممثل المجلس الانتقالي، ليس مخوّلًا قانونيًا أو دستورياً بأن يجعل الأرض والقرار بيده منفردًا، أو أن يتجاوز صلاحياته من خلال التعيينات الأحادية التي شملت نواب وزراء ووكلاء محافظات ورؤساء مصالح عامة. ومن المهم التأكيد أن الزبيدي ومجلسه ارتضوا أن يكونوا شركاء في السلطة الشرعية اليمنية، ما يجعل هذه الخطوة خرقًا واضحًا للاتفاقيات والممارسات الدستورية، وتحويلًا للمؤسسات العامة إلى أدوات سلطة خاصة، بدلًا من أن تكون أداة شرعية لخدمة جميع مواطني الجمهورية اليمنية.
إن بيان المجلس الانتقالي يؤكد على الشراكة السياسية للجنوب، لكنه في الوقت نفسه يشتكي من حرمان الجنوبيين من رواتبهم وتجويعهم، بينما وزارة الخدمة المدنية بيده… أي هروب واضح من المسؤولية!
والحقيقة أن علاقاته الخارجية قد وظّفها للحصول على امتيازات لمجلسه، بل ولمحافظته الضالع على وجه الخصوص، وهو ما أثار انتقادات حتى من كثير من الجنوبيين أنفسهم. وهذا يعكس سياسات أحادية وتحيزية، تظهر بوضوح في قضية المنح الدراسية الإماراتية التي وُزعت بشكل غير متوازن، حيث نال طلاب الضالع نحو 70% منها، بما يعكس استمرار منطق الاحتكار والتمركز في السلطة، وهو ما يتناقض تمامًا مع أي شعارات عن العدالة والمساواة. فكيف سيكون الحال لو قُدّر – لا قدر الله – أن تنشأ دولة الجنوب؟!
الأرض والقرار، في سياق الدولة اليمنية، ليسا ملكًا لأي جهة فردية؛ الجنوب جزء من الجمهورية اليمنية، ومصيره مرتبط بالشرعية الوطنية وبمؤسسات الدولة. كل محاولات فرض الانفراد بالقرارات أو تحويل الخدمات الأساسية إلى أدوات سياسية ستزيد من الانقسام وتعقد الوضع أكثر، وتخدم الحوثة، بدلاً من تحقيق الأهداف المشروعة للمواطنين.
وبالخلاصة:
استمرار التعيينات الأحادية وسياسات الانفراد بالسلطة يمثل خرقًا للدستور وتهديدًا للوحدة الوطنية.
المواطن الجنوبي لا ينتظر شعارات، بل مطالب ملموسة: رواتب منتظمة، خدمات أساسية، مؤسسات دولة فعالة، وعملة مستقرة.
الحل السياسي الأمثل يقوم على الانفتاح على جميع القوى، واحترام القانون والدستور، وتعزيز مؤسسات الدولة وليس تحويلها إلى أدوات سلطوية فردية.
وختامًا، تقع المسؤولية اليوم على مجلس القيادة الرئاسي وعلى المجتمع الدولي، وفي مقدمتهم مجلس التعاون الخليجي، لضمان عودة المؤسسات العامة للعمل وفق القانون والدستور، وإنهاء أي سياسات أحادية، وحماية حقوق المواطنين الجنوبية والشمالية على حد سواء.
كما يجب أن تضمن الهيكلة والإصلاحات التي لم تنجز سابقًا الالتزام الكامل لجميع المشاركين في المشهد السياسي الجديد، بما يعزز وحدة الدولة واستقرار مؤسساتها ويخدم مصالح المواطنين قبل أي اعتبارات ضيقة.
وندعو، بالمناسبة، مجلس القيادة الرئاسي إلى عقد اجتماع فوري لمعالجة هذه التجاوزات بشكل عاجل، كما ندعو مجلس التعاون الخليجي الداعم والراعي، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، للتدخل السريع ووقف هذه التصرفات الأحادية، وضمان استمرار الإصلاحات التي بدأت تظهر نتائجها ويشعر بها المواطن، والتي تخدم جميع اليمنيين.
ومن الضروري الإشارة إلى أن القرارات الأحادية التي يتخذها اللواء الزبيدي تمثل ضررًا مباشرًا للإصلاحات التي بدأت تحقق نتائج ملموسة للمواطن اليمني في جميع مناطق سيطرة الشرعية، مما يزيد الحاجة إلى ضبط الأداء وإعادة توجيه المؤسسات نحو خدمة المواطنين، بعيدًا عن استغلالها لأغراض ضيقة.