آخر تحديث :الأربعاء-03 يونيو 2026-08:29م

داء من عمق الجرح الجنوبي إلى المملكة والتحالف.. حان وقت الحقيقة

الأحد - 21 سبتمبر 2025 - الساعة 10:58 ص
علي حسن الخريشي


د.علي حسن الخريشي



إلى مقام المملكة العربية السعودية الشقيقة ودول التحالف العربي الأكارم،


نكتب إليكم اليوم لا من باب المزايدة، بل من منطلق الحرص الصادق على الدماء التي سالت، والأموال التي بُذلت، والأرواح التي أُزهقت في سبيل قضية عادلة، أردتم بها نصرة جار وإعادة استقرار لوطن. بعد عقد من التضحيات الجسام، وبعد أن تحولت الآمال إلى سراب، بات من الواجب أن نقف وقفة مصارحة مع الذات، لنضع الحقائق الدامغة فوق طاولة التحليل، بعيدًا عن لغة المجاملات التي كلفتنا وطنًا.


لقد راهن التحالف، وبقلب صادق، على "جيش الشرعية" وقوى الشمال لتحرير الأرض من الميليشيا الحوثية. قُدم الدعم بسخاء، فتدفقت الأموال والأسلحة والعتاد إلى معسكرات قيل إنها ستزحف نحو صنعاء. لكن، ماذا كانت النتيجة بعد عشر سنوات؟ النتيجة هي أن الشمال اليمني، بكثافته السكانية الهائلة التي تتجاوز 22 مليون نسمة، قد ابتلعته جماعة لم يكن تعداد مقاتليها في بدايتها يتجاوز بضعة آلاف في مديرية نائية.


هذه الحقيقة وحدها كفيلة بنسف كل الأوهام. كيف يمكن لعدد قليل من المتمردين أن يسيطروا على ملايين البشر لو لم يجدوا فيهم حاضنةً وقبولًا ورضوخًا؟ الحقيقة المرة هي أن الشمال لم يسقط عسكريًا فحسب، بل سقط ثقافيًا واجتماعيًا. لقد "تحوث" المجتمع نفسه، وأصبح جزءًا من المنظومة الحوثية، إما قناعةً أو تواطؤًا أو جبنًا. الحديث عن "تحرير الشمال" بأيدي أبنائه أصبح أشبه بمن يحاول إطفاء حريق بالوقود. إنهم لا يريدون تحرير أرضهم، لأنهم لا يعتبرونها محتلة بالأساس.


والأدهى من ذلك، أن الدعم العسكري الذي قدمتموه بسخاء تحول إلى أكبر مصدر لتسليح الحوثي نفسه. فصول "مسرحيات التحرير" الهزلية في نهم والجوف والبيضاء، حيث كان يُسلم العتاد المتطور للحوثيين في تمثيليات باتت معروفة للقاصي والداني، خير دليل على أنكم تدعمون "جيش التباب الوهمي" الذي لا يقاتل إلا في الإعلام، بينما يسلم سلاحه للحوثي على الأرض. هذا النزيف للموارد يجب أن يتوقف.


في المقابل، وعلى النقيض تمامًا، يقف الجنوب كشاهد حي على ما تفعله الإرادة الوطنية الحقيقية. بأعداد أقل، وبتسليح بدأ متواضعًا، وبدعمكم الذي استُثمر في أرض خصبة بالرجال الصادقين، استطاع أبناء الجنوب تطهير كامل ترابهم من الميليشيا الحوثية. لقد قاتلوا بعقيدة الدفاع عن الأرض والعرض والهوية، لا من أجل المناصب والمكاسب.


من عدن إلى شبوة، ومن أبين إلى حضرموت، رسم الجنوبيون ملحمة بطولية أثبتت للعالم أن القلة المؤمنة بقضيتها قادرة على دحر الكثرة التي تقاتل بلا عقيدة. لقد أسسوا قوات أمنية وعسكرية حقيقية تسيطر على الأرض وتحفظ الأمن، وبنوا نموذجًا واقعيًا لما يجب أن تكون عليه الشراكة مع التحالف: دعم يقابله إنجاز، وثقة يقابلها وفاء. المقارنة بين مشهد الهزائم المتكررة في الشمال وانتصارات الجنوب الحاسمة ليست مجرد مقارنة عسكرية، بل هي مقارنة بين مشروعين: مشروع وهمي قائم على الابتزاز في الشمال، ومشروع وطني حقيقي في الجنوب.


الرهان الصادق.. والمستقبل الآمن


بعد صبر عشر سنوات على دعم جيوش "زنبقة" في مأرب وتشكيلات طارق عفاش التي لم تتقدم شبرًا حقيقيًا، آن الأوان للمملكة والتحالف أن يصلوا إلى الحقيقة التي لا مفر منها الاستثمار في الشمال هو رهان خاسر، والشريك الحقيقي الذي يمكن الوثوق به هو الجنوب.


إن أبناء الجنوب، أصحاب العقيدة السنية الصافية والولاء العربي الأصيل، هم من أثبتوا أنهم خط الدفاع الأول عن أمن المنطقة وعن ظهر المملكة. هم القادرون على حماية الدين والهوية والكرامة المشتركة. الوقوف معهم اليوم ليس خيارًا، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان أمن واستقرار المنطقة بأسرها.


إن بناء جدار عازل من القوة والولاء على حدودكم الجنوبية لن يأتي عبر دعم كيانات هشة أثبتت فشلها وخيانتها، بل يأتي عبر تمكين الشريك الذي أثبت صدقه في الميدان. الجنوب هو حصنكم المنيع، ورجاله هم سيفكم الذي لا يخون. فكونوا معهم بصدق، كما كانوا معكم بوفاء، ففي ذلك نصركم ونصرنا، وفيه أمن وخير الجزيرة العربية بأكملها.