آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-03:29ص

المعلم.. منارة العلم التي أطفأها الإهمال

الإثنين - 06 أكتوبر 2025 - الساعة 07:37 م
عوض المجعلي


لا يختلف اثنان على أن الثورات قامت وكان من أهدافها القضاء على الجهل، لأنه سبب التخلف وقلة الوعي.

لكن ما يظهر في واقع الحال أن من نكبات بعض البلاد أن قادتها آخر ما يهمهم أن تتحرر من الجهل والتخلف، فهم نكبة حلت على الأمة.

وكيف لا؟ وقد أصرّوا على تهميش محور العملية التعليمية، المعلم، الذي به تُبنى العقول وتتربى الأجيال وتصاغ الأفكار.

وكأنهم لا يدرون فضل المعلم عليهم!

لقد خلد التاريخ مساجلة شعرية بين شوقي وحافظ إبراهيم حول مهنة التعليم، تلك المهنة التي تأخذ من عمر الإنسان وعقله وجهده، لكنها تمنحه الخلود في عقول الناس وقلوبهم.حين أنشد أحمد شوقي قصيدته الشهيرة في مدح المعلم، قال فيها:

قم للمعلم وفِّه التبجيلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي

يبني وينشئُ أنفسًا وعقولًا

كانت هذه الأبيات في غاية الروعة، وأصبحت شعارًا خالداً لكل من يقدّر رسالة التعليم.

لكن صديقه حافظ إبراهيم — وكان معروفًا بخفة دمه — سمع البيت الأول، فأراد أن يمازح شوقي قائلًا:

شوقي يقول وما درى بمصيبتي

قم للمعلم وفّه التبجيلا

أقعدْ فديتُك هل يكون مبجَّلًا

من كان للنشء الصغارِ خليلا؟

ويكاد يفلقني الأميرُ بقوله

كاد المعلم أن يكون رسولا

لو جرّب التعليمَ شوقي ساعةً

لقضى الحياةَ شقاوةً وخمولا

حافظ هنا يمزح، يقول: لو جرّب شوقي التدريس يومًا واحدًا لعرف كم هو متعب وشاقّ!

كلنا يتذكر معلمين خلدتهم الذاكرة، كانوا مصابيح نورٍ لنا علمًا وتربيةً وخلقًا وقدوةً.

فعلى سبيل المثال، في المرحلة الابتدائية كان هناك فصل لا أنساه لاثنين من خيرة من علّموني:

الأستاذ شيخ علي محمد حفظه الله، والأستاذ سالم العبد باعزب رحمه الله وغفر له.

لا تزال ابتسامتهما لا تفارق ذاكرتي.

وهناك أيضًا معلمة من فلسطين تُدعى انتصار، كانت تدرّس اللغة العربية.

لم تكن ترفع صوتها ولا تضرب أحدًا، وكانت تردد كلمة. بدون صوت في حصصها بصوتٍ خافتٍ يحمل الحنان، فكانت دائما تقول انت لديك تعبير متميز هذه الكلمة كانت كفيلة بأن تجعلني أعشق التعبير والكتابة.

ولا أنسى الأساتذة الأفاضل: الوالد سعيد عثمان عشال رحمه وغفر له ، والاستاذموسى القمادي، والناصري، والمربي الجليل عبدالله علي مشدود رحمه الله وغفر له الذي لم يبخل عليّ بوقته، يشرح لي النحو وغيره من العلوم الشرعية وغيرهم ممن لا يسع المقام ذكرهم .

لقد كان زمنًا جميلاً... زمن كان فيه المعلم يُكرَّم في يومٍ واحد على مستوى الجمهورية من القيادة السياسية، وعلى مستوى المحافظات والمديريات كل عام، حيث تُختار نماذج من المعلمين المتميزين تكريمًا لعطائهم.

أما اليوم، فكنت أتمنى أن يُكرم المعلم في يوم عيده، 5 أكتوبر، بصرف راتبه على الأقل، وبحفظ كرامته أمام أصحاب المحلات وأطفاله.

لكن للأسف، أصبحت القيادة لا تجيد الاحتفال إلا بالجباية والنهب والارتزاق، أما النداءات، واامناشدات ، والمناسبات التعليمية فهي خارج جدول أعمالها.

لقد قال الشاعر :- اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي