آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-08:09م

قصة ما بعد تصفية سلاطين وعقال يافع.. وغسيل الأدمغة الذي أتقنه الحزب الاشتراكي بدرجة امتياز

الجمعة - 10 أكتوبر 2025 - الساعة 11:44 ص
الشيخ ناصر عبدالله المنصري

✍️ بقلم الشيخ ناصر عبدالله المنصري


لك أن تصدّق أو لا تصدّق، لكن حاول أن تتخيل معي وكأنك تعيش تلك الأحداث المأساوية التي شهدتها يافع بني قاصد بعد تصفية السلاطين والعقال في عام 1973م، وهي الحقبة التي استطاع فيها الحزب الاشتراكي أن يُحدث انقلابًا فكريًا واجتماعيًا غيّر كل المفاهيم الإنسانية، حتى جعل المساكين والفقراء وأقرب الناس لبعضهم يتحولون إلى أعداء ووحوش، لا يهمهم عِشرة ولا معروف، ولا إخوة ولا مروءة.


كانت جدتي ووالدتي – رحمهم الله – ترويان لنا تفاصيل تلك الأيام السوداء، يوم جريمة “سيلة سلب” التي راح ضحيتها سلاطين وعقال يافع. بعد ارتكاب الجريمة، تم تحريض العامة والفقراء للاحتفال بما سموه “تصفية الرجعية والإقطاع”، فخرجت الطبول، وتعالت الزغاريد، وبدأت الرقصات أمام بيوت الضحايا. تخيّل أن من فقدوا أهلهم كانوا يستمعون من داخل منازلهم إلى أصوات الفرح الصاخب على دماء آبائهم وإخوانهم.


وتقول والدتي إنّ أولئك الذين خرجوا للاحتفال، بعد أن حُمّلوا أفكارًا مغلوطة عن السلاطين والمشايخ، جاؤوا يقرعون أبواب منازلنا بالعصي والحجارة، في مشهد تقشعر له الأبدان.

بدلًا من أن يأتوا لتقديم العزاء وجبر الخواطر، جاؤوا يحتفلون على أنقاض الفاجعة، وكأنهم انتقموا من أعداء لا من جيرانهم وأقاربهم.

من حقّ من يسمع هذه القصة أن يشكّ فيها، لكن من عاشها يعلم أنّ ما حدث لا يمتّ للإنسانية بصلة، بل هو عمل الوحوش، لا عمل البشر.


بعد الجريمة، لفّق القتلة رواية خبيثة، زعموا فيها أن الشيخ عيدروس حسن عبيد المنصري ومعه مجموعة من المناصرة، منهم محسن حسن لبنة المنصري، ومحمد حسين صالح البركاني المنصري، ونصر حسين جبران الدهج المنصري، نصبوا كمينًا لرتل سيارات تقلّ السلطان محمد عيدروس، والنائب حيدرة منصور العطوي، والعاقل محسن حسن المنصري الكلدي، والعاقل أحمد صالح بن غازي المنصري الكلدي، وغيرهم من سلاطين وشيوخ وعقال سلطنة يافع بني قاصد.


وزعم البيان حينها أن المجموعة نصبت كمينًا للمساجين الذين كانوا من المشايخ، وتمت تصفيتهم جميعًا، وأن منفذ العملية – الشيخ عيدروس حسن – قُتل خلال الكمين، بينما فرّ بقية “العصابة”.

لكن الحقيقة كانت أبشع من الكذب ذاته.

ففي اليوم الذي سبق الجريمة، تم اختطاف جدي الشيخ عيدروس حسن عبيد المنصري مع سيارته (اللاند روفر) بعد أن استُدرج من قبل أحد عناصر الحزب من منطقة حصن بن عطية، بحجة نقل امرأة مريضة إلى مستشفى ناجي في مدينة المخزن.

ذهب دون أن يشكّ بشيء، ولم يعد أبدًا.

ولم تعرف الأسرة بمصيره إلا عندما سمعوا خبر مقتله ضمن المسرحية المفبركة التي اتهم فيها بأنه نفذ كمينًا ضد سلاطين بني جلدته!


هكذا كان الحزب الاشتراكي يتقن غسيل الأدمغة، حتى جعل القاتل ضحية والضحية مجرمًا، وأفقد الناس بوصلتهم الإنسانية.

ما حدث في يافع لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل فصل من فصول مأساة عاشتها عشرات الأسر، ودليل على حقبة دامية من القهر والإقصاء.


هذه واحدة من القصص الكثيرة التي لا تزال محفورة في ذاكرة من عاشوا تلك المرحلة السوداء، مرحلة الدم والعقيدة المقلوبة، وسأروي لكم في القادم فصولًا أخرى من تاريخٍ كتبه “مصاصو الدماء” لا المؤرخون.


الشيخ ناصر عبدالله المنصري