د. الخضر عبدالله:
كان يقال قديمًا: "العسكرة آخر لقمة"، بمعنى أن الالتحاق بالمؤسسة العسكرية لم يكن الخيار الأول لدى الشباب، بل كان يُنظر إليه كملاذ أخير لمن لم يجد فرصة في ميادين التعليم أو الطب أو الوظائف المدنية. كان المجتمع يضع الجندي في مرتبة أدنى من الطبيب أو الأستاذ أو الموظف الحكومي، معتبرًا أن الخدمة العسكرية مجرّد وظيفة صعبة، محدودة الأجر، وقاسية في انضباطها. لكن المشهد اليوم تغيّر جذريًا، وصارت العسكرة أولى اللقم، بل هدفًا يتسابق إليه الآلاف من الشباب الطموحين، وخاصة في قطاعات مثل العمالقة ودرع الوطن وغيرهما من القوات الحديثة التي أضحت تعج بالبلد لاسيما في المناطق المحررة.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتغيرات سياسية وأمنية واقتصادية عاشتها اليمن في السنوات العشر الأخيرة. بسبب الحرب ،فبعد أن كانت الوظائف المدنية أفضل حالا ، أصبحت اليوم أقل جذبًا بسبب ضعف الرواتب وتأخرها وضغط المعيشة وغياب الحوافز المادية والمعنوية.
في المقابل، قدّمت المؤسسة العسكرية (العمالقة ودرع الوطن) نموذجًا جديدًا من الحياة المهنية: انضباط، ترقٍ سريع، مكانة اجتماعية مرموقة، ورواتب ومكافآت تفوق بكثير ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي أو الموظف الصحي أو المدرس التربوي.
وهكذا، تغيّر المثل الشعبي القديم، فبعد أن كانت "العسكرة آخر لقمة" صارت اليوم "العسكرة أولى اللقم"، ليس فقط من حيث الدخل، بل تحولت العسكرة حلمًا مشروعًا لكل شاب يسعى لأنتشال وضعه المعيشي.
يشير التزايد الملحوظ في التحاق الأكاديميين من حملة الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس بصفوف قوات العمالقة ودرع الوطن إلى ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية عميقة. فبدلاً من أن تكون هذه الفئة العلمية في مواقع البحث والتطوير أو التعليم الجامعي، باتت ترى في الانخراط العسكري خيارًا أكثر واقعية لتأمين مصدر دخل مستقر. هذا الاتجاه يعكس تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة بين الكفاءات الأكاديمية، مما جعل التحاقهم بالقوات بمثابة الملاذ الوحيد لضمان الاستقرار المادي. وتكشف هذه الظاهرة عن تحديات اقتصادية كبيرة تستوجب معالجة عاجلة لتوفير بيئة عمل مدنية تضمن للأكاديميين حياة كريمة دون اضطرارهم لترك مساراتهم العلمية.
في النهاية، تبقى ظاهرة التحاق الأكاديميين بقوات العمالقة ودرع الوطن مرآة لواقعٍ مضطربٍ يعيش فيه الشباب اليمني، واقع يدفعهم لاختيار السلاح بدل القلم، لا طمعًا في الحرب، بل طلبًا للأمان والكرامة في زمنٍ ضاقت فيه السبل.