الطرق العامة شريان حياة الشعوب، وأحد أهم أوجه خدمة الإنسان. وقد أولت دول العالم المتقدم اهتمامًا بالغًا بسلامة الطرق وصيانتها، لما تمثله من أهمية قصوى لحياة المواطنين.
وفي صباحٍ مفجع هزّ قلوبنا جميعًا، صُعقنا بخبر احتراق حافلة ركاب قادمة من المملكة العربية السعودية، تقل عددًا من المسافرين العائدين من وحشة الغربة إلى حضن الوطن. وتشير المعلومات الأولية إلى حدوث خلل في فرامل الحافلة أدى لفقدان السائق السيطرة عليها، فارتطمت بصخرة جبلية واحترقت، فاختفت معها أحلام ونفوس كانت تتوق للقاء الأهل والأحبة.
ولمن لا يعرف منطقة العرقوب الجبلية التي يمر بها الطريق الدولي، فهي سلسلة جبلية شرقي مدينة شقرة بمحافظة أبين، وتُعد من أخطر المنحدرات في البلاد، خصوصًا أثناء النزول. وتتكرر فيها حوادث السير بشكل يدعو للحزن والقلق؛ فما يكاد يمر أسبوع حتى تُزهق أرواح جديدة في تلك المنطقة التي باتت رمزًا للخوف والهلع لكل مسافر يمر بها.
وقد أعاد حادث اليوم المؤلم – الذي لم يمر مثله منذ سنوات – فتح ملف الطريق المنسي، فقد احترقت حافلة نقل دولي بالكامل، ونجا من نجا بفضل الله، بينما خطفت النيران البقية. ويمكن تلخيص أهم أسباب هذه المآسي في النقاط الآتية:
أولًا: غياب الاهتمام الحكومي بصيانة الطرق
لم تولِ الحكومات المتعاقبة – عبر وزارة الأشغال والطرق – أي اهتمام لطريق العرقوب رغم خطورته العالية. ولم تُنفَّذ حلول هندسية جذرية للمنحدرات القاتلة التي تحصد الأرواح تباعًا. ونأمل بعد هذا الحادث المؤلم أن تعيد الوزارة النظر في إنشاء طريق بديل أو صيانة شاملة تضمن السلامة العامة.
ثانيًا: غياب مراكز الطوارئ والدفاع المدني
كثرة الحوادث في هذا الطريق لم توقظ الحس الإنساني لدى الجهات المختصة؛ فلا مركز إسعاف، ولا فرق دفاع مدني، ولا تجهيزات للطوارئ. ولو توفرت هذه الخدمات فجراً، لساهمت في إنقاذ العديد من الأرواح وانتشال الجثث بملامح واضحة تحفظ كرامة أصحابها وتُسهّل معرفتهم من قبل ذويهم.
ثالثًا: ضعف الرقابة على شركات النقل
تتوسع وكالات النقل المحلي والدولي دون أي فحص حقيقي لمركباتها أو التأكد من صلاحيتها الفنية. كثير من الحافلات قديمة ومنتهية العمر الفني، ومع ذلك تحصل على تصاريح لمجرد استكمال أوراق روتينية دون أي اعتبار لسلامة الركاب.
رابعًا: ضعف كفاءة بعض السائقين
بعض الشركات تهمل اختيار السائقين المؤهلين لقيادة تلك الطرق الجبلية الخطيرة، رغم أن القيادة فيها تحتاج خبرة كبيرة ودراية بطبيعة الطريق.
خامسًا: السرعة المتهورة
السرعة الزائدة والإضاءة القصوى التي يعتمدها كثير من سائقي الحافلات على طرق اليمن المتهالكة هي رأس البلاء. والمفارقة أنهم يلتزمون بالقوانين في دول الجوار ولا يتجاوزون سرعة 80 كم/ساعة… فلماذا يُستهان بأرواح اليمنيين ؟
في الختام نتمنى أن تهزّ هذه الفاجعة قلوب المسؤولين في الحكومة والوزارة والمحافظة وشركات النقل، وأن يدركوا أن الإنسان أولًا، وأن سلامته مسؤولية أخلاقية ودينية قبل أن تكون مهنية.
وليتعضوا من قول الفاروق عمر إبن الخطاب حين قال :
"والله لو عثرت بغلة في أرض العراق لسألني الله عنها، لِمَ لمْ تصلح لها الطريق ياعمر ؟"
كتب / عبدالله علي جعيرة
5 نوفمبر 2025