آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-06:45ص

عيلة تايهة … واليمن الذي أضاع الطريق

الخميس - 06 نوفمبر 2025 - الساعة 10:20 م
علي عبدالإله سلام

بقلم: علي عبدالإله سلام
- ارشيف الكاتب


كأن أحمد عدوية حين غنّى “عيلة تايهة ياولاد الحلال” لم يكن يروي حكاية عائلة مصرية ضائعة، بل كان يقرأ فصول المأساة اليمنية قبل أن تُكتب. اليوم، تبدو اليمن بكل مدنها وقُراها كـ عيلة تايهة في وطن فقد بوصلة النجاة. كل فرد فيها يبحث عن ضوء وسط العتمة، وعن معنى في زمن لا يعرف المعاني.


في تلك الأغنية، كان الضياع رمزيًا، أما هنا فهو واقع يلبس وجوهنا كل صباح.

أب يطارد كيس دقيق كأنه حلم، وأم تخبز الخبز على رماد من صبرها، وطفل يتعلم الحروف على ضوء شمعة خجولة لأن الكهرباء هجرت البيوت كما هجرتها الدولة.

حتى المسؤولون صاروا كأبطال الأغنية: كلٌّ يغنّي على ليلاه، وكلٌّ يدّعي أنه “المخلّص”، بينما الوطن يتدحرج في وادي النسيان.


اليمن اليوم ليست دولة تنهض أو تسقط، بل عيلة تائهة بين مشاريع الآخرين، تُساق كدمية في مسرح السياسة الإقليمية، يتقاذفها اللاعبون كما تُقلب النرد في لعبة قذرة.

من الحرب خرجنا إلى الحرب، ومن اتفاقٍ إلى خلافٍ، ومن حكومةٍ إلى أخرى لا تختلف إلا في الشعار.

في بلدٍ يُدار ببياناتٍ ومؤتمراتٍ ووعودٍ جوفاء، صار المواطن هو الضحية الوحيدة التي لا تُذكر في البيان الختامي.


في وسط الأغنية يقول عدوية "الحلوة خوخة .. جات بعد دوخة"

"واللي يلاقيها .. يخبرنا بالحال"

عبارة تصلح أن تكون شعار المرحلة.

قاس لأن الجوع صار ضيفًا دائمًا، والغلاء جدارًا لا يمكن تسلقه، والعدالة مجرّد خبر قديم في صحيفة صفراء.

كل الطرق مسدودة، إلا طريق الألم، وكل الأغاني صامتة، إلا أنين الأمهات.

ومع ذلك، ورغم كل الخراب، ما زال في اليمن شيء يشبه الحياة.

من بين الركام يخرج طفل يبتسم، وامرأة تزرع وردة في فناء بيت مهدّم، وشاب يكتب قصيدة عن الغد.

تلك هي بقايا “العيلة التايهة” التي ترفض أن تموت، والتي تصر أن تسير بخطاها الراجفة نحو وطنٍ لم يعد يعرف نفسه.

وفي نهاية الأغنية… تسكت الموسيقى ويبقى الصمت سيد المشهد.

لكن في اليمن، لا صمت بعد الأغنية، بل ضجيج من الحرب لا ينتهي، كأن البلاد عالقة في مقطع مكسور لا يعرف النهاية.

الأمل؟ نعم، ما زال هناك من يتحدث عنه، لكنه أمل نحيل كطفل جائع، يترنح بين الأنقاض.

الوطن محاصر بين أنياب الإقليم الذي يتقاسم نفوذه كما يتقاسم اللصوص الغنائم، ونخب سياسية أرهقها الفساد حتى فقدت ملامحها.


الناس سئموا من الوعود، من صفقات السلام المؤجلة، من خُطب تتحدث عن المستقبل فيما الحاضر ينهار.

صار الخروج من هذا النفق أشبه بانتظار معجزةٍ لا تأتي،

فالخرائط ممزقة، والقلوب متعبة، والبلاد أشبه بـ عيلة تايهة في ليل بلا فجر.


وربما حين تنطفئ آخر شمعة في هذا الوطن، لن يبقى سوى صدى السؤال:

من سيهتدي أولًا… الوطن، أم العيلة التي ما زالت تبحث عنه بين الركام؟