قبل فترة، حدث خلاف على قطعة أرض في إحدى مديريات يافع بمحافظة لحج، وتواصل معي أحد الأشخاص طالبًا المساعدة لإثبات أحقية أحد الأطراف في الأرض.
ادّعى الطرف الأول أنه بدأ البناء والحرث بعد عام 2000، بينما نفى الطرف الآخر ذلك مؤكدًا أن النشاط كان في عام 1997.
ولحسم الخلاف، رجعتُ إلى صور الأقمار الصناعية المفتوحة المصدر (ASTER L1B)، وتم تنزيل مرئية لعام 2001، حيث كانت الأرض خالية ولم تشهد أي تغيّر واضح.
ثم نزلتُ مرئية أخرى لعام 2003 في موسم الشتاء، ولم تُظهر أيضًا أي نشاط أو بناء.
لكن عند تحليل مرئية خريف 2003، ظهرت تغيرات واضحة على سطح الأرض، تؤكد أن أعمال البناء والحرث بدأت في ذلك العام تحديدًا.
ومن هنا تبيّن صدق أحد الطرفين بشكل قاطع.
تم تقديم هذه الأدلة إلى المحكمة، لكن ظهر أمامنا فراغ قانوني واضح، إذ لا يتضمن القانون اليمني نصوصًا صريحة تتيح اعتماد صور الأقمار الصناعية كأدلة إثبات رسمية.
وبعد مداولات طويلة، جرى التحكيم العرفي لدى أحد وجهاء المنطقة، وتم اعتماد صور الأقمار الصناعية كدليل قاطع لترجيح الكفة لأحد الأطراف.
وهنا نقف قليلًا أمام سؤال جوهري يجب أن يطرحه كل من له علاقة بالقانون والقضاء والشريعة:
كيف يعقل أن تظل القوانين اليمنية جامدة أمام التطور التقني الهائل في وسائل الإثبات؟
وأين دور القضاة، والمحامين، وعلماء الدين، بل وحتى عامة الناس من المطالبة بسد هذه الثغرة الخطيرة؟
ثغرة قانونية لا يُستهان بها
القانون اليمني الحالي — الذي لم يُحدّث منذ التسعينات — لا يحتوي على نصوص واضحة تنظم الأدلة الإلكترونية أو الرقمية (مثل الفيديوهات، التسجيلات، صور الأقمار الصناعية، بصمات الـDNA...).
لذلك نجد القاضي — حتى لو اقتنع تمامًا بالأدلة الرقمية — مقيّدًا بالنصوص القديمة، فلا يستطيع الحكم بالقصاص مثلًا اعتمادًا على مقطع فيديو أو تسجيل، لأن القانون لا يجيز له ذلك.
وفقًا للنصوص الحالية، يشترط القانون في جرائم القصاص وجود بيّنة شرعية كاملة، وهي:
اعتراف صريح من الجاني،
أو شهادة عدلين شاهدا الجريمة مباشرة.
أما الأدلة الرقمية فتصنَّف على أنها قرائن، وليست بينات شرعية، وبالتالي — حتى لو بُني الحكم عليها — تكون العقوبة تعزيرية (من 3 إلى 10 سنوات سجن) وليس قصاصًا.
الحكمة الشرعية ومقاصدها
من الناحية الشرعية، اشتراط الإقرار أو شهادة العدول هدفه تحقيق اليقين الكامل، لأن الحكم بالقصاص يترتب عليه إزهاق نفس، والقاعدة تقول:
«ادرؤوا الحدود بالشبهات».
لكن إذا كانت الأدلة الرقمية الحديثة — مثل الفيديو، والبصمة، وصور الأقمار الصناعية، ونتائج الـDNA — تثبت الوقائع بيقين تام، فإنها تحقق نفس المقصد الشرعي: حماية النفس من الظلم والخطأ.
بل إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم (179 لعام 2004) نص صراحة على أن:
"الأدلة الرقمية الحديثة معتبرة شرعًا في الإثبات الجنائي متى استوفت شروط الموثوقية".
مقارنة بين الشهادة البشرية والأدلة الرقمية
الشرع اشترط وجود شاهدين على الجريمة لزيادة اليقين، لأن الإنسان قد يخطئ أو ينسى أو يكذب.
أما الأدلة الرقمية، فهي — إن تم التحقق من سلامتها — أكثر دقة وموضوعية من شهادة الإنسان.
أصوات قانونية تطالب بالإصلاح
الدكتور محمد الزبير، أستاذ القانون الجنائي بجامعة صنعاء، قال في دراسة له نشرتها مجلة الدراسات القانونية – جامعة صنعاء (2021):
«حصر وسائل الإثبات في الشهادة والإقرار فقط لا ينسجم مع التطور التقني، وهو ثغرة قانونية تفتح باب الإفلات من العقاب في جرائم جسيمة يمكن إثباتها بالأدلة الرقمية».
كما أشار القاضي عبدالوهاب قطران في دراسة منشورة عام 2022 إلى أن:
«القانون اليمني بحاجة عاجلة إلى تعديل لإدخال الأدلة الرقمية ضمن الأدلة الشرعية المعتبرة في جرائم القصاص والحدود».
ـــــــــ
*ماجستير نظم معلومات جغرافية وإستشعار عن بعد في هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية..عدن