د. الخضر عبدالله :
لطالما تجشّم المواطن الموظف في المناطق المحررة أقصى أصناف المعاناة، وانتظر بفارغ الصبر بوادر انفراج حقيقية في ملف الرواتب الذي أصبح هاجسًا يتكرر كل شهر. فالموظف هناك لم يعد يملك ترف الانتظار، ولم يعد لديه القدرة على تحمّل المزيد من الوعود المؤجلة أو القرارات المرتبكة. يعيش يومه مثقلاً بالالتزامات، محاطًا بارتفاع الأسعار، ومتطلّبًا لحدٍّ أدنى من الاستقرار المالي الذي يضمن له حياة كريمة.
قبل أيام فقط، عمّ التفاؤل الشارع حين سُرِّبت أخبار وتداولت الجهات الرسمية أحاديث تُفيد بأن الدولة ستصرف رواتب الموظفين كاملة. امتلأت النفوس ببصيص أمل، وتعالت الدعوات في البيوت، وكل موظف حسب أن سلسلة المعاناة ستتوقّف ولو لشهر واحد. غير أن الصدمة كانت أكبر من التوقعات، حين أعلنت الحكومة صرف راتب شهر واحد فقط، ليعود الموظف إلى نقطة البداية، محاصرًا بذات الأسئلة وذات الألم وذات عجز اليد أمام احتياجات الأسرة المتراكمة.
صرف راتب واحد بعد أشهر من الانتظار ليس حلاً، بل هو مسكن لا يدوم أثره يومين. الموظف الذي عليه إيجار، وكهرباء، وماء، ومواصلات، ومدارس، وأدوية… كيف له أن يوزع راتبًا واحدًا على كل هذه الأعباء؟ وكيف ينهض من جديد وهو لا يعرف متى سيأتي الشهر القادم؟
الحكومة تعلم قبل غيرها أن خدمة الموظف هي أساس استمرار المؤسسات، وأن أداء الدولة لا يمكن أن يتماسك ما لم يكن عمودها البشري في وضع مستقر. فالموظف ليس رقمًا على ورق، بل هو إنسان له التزامات وحياة ومسؤوليات، ومعه أسر تنتظر ما يسد حاجتها.
إن الاكتفاء بصرف شهر واحد بعد وعود طويلة يُعدّ خيبة أمل كبيرة. فالمناطق المحررة تعيش ظروفًا اقتصادية خاصة، يضاعفها انعدام الاستقرار المالي، الأمر الذي يرهق المواطنين ويُفقدهم الثقة في القرارات الحكومية. ومن غير المنطقي أن تطالب الدولة موظفيها بأداء الواجب في وقت لا تضمن فيه الحد الأدنى من حقوقهم.
لا أحد يطالب بالمستحيل؛ الموظفون يطالبون فقط بحقوقهم الأساسية: صرف رواتبهم كاملة وبانتظام. لا يريدون منّةً ولا هبة، بل يريدون حقهم الذي كفله القانون والإنسانية.
وإذا كان الوضع المالي للدولة صعبًا –كما يُقال– فالمصداقية تتطلب المصارحة والوضوح، لا إطلاق الوعود التي تُرفع بها معنويات الناس ثم تهبط فجأة بقرارات مخيبة.
إن رسالة المواطنين واضحة: عيب هذا يا حكومة. لا تجعلوا الموظف يعيش كل شهر في دائرة القلق. ولا تجعلوا أسرة كاملة تُعلّق مصيرها على احتمال قد يتحقق وقد لا يتحقق. إصلاح الوضع يبدأ بالرواتب، واستعادة الثقة تبدأ بالالتزام، وراحة الناس تبدأ حين يعرف الموظف أن جهده سيقابله حقّه دون تأخير أو انتقاص.