آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-05:15م

حين ينتفخ الهواء، ويتحول البعض إلى “قمم” من ورق

الثلاثاء - 25 نوفمبر 2025 - الساعة 09:54 م
علي محمد سيقلي

بقلم: علي محمد سيقلي
- ارشيف الكاتب


هناك فئة غريبة قررت، عن قناعة راسخة لا يهزّها منطق ولا يفسدها علم أن تضع أنفسها فوق الجميع، وكأنها النسخة التجريبية من الإنسان المتفوّق الذي لم يُكتشف بعد. فهؤلاء لا يمشون بين الناس، بل يطفون، كفقاعات صابون ضخمة تعتقد أنها غيوم صالحة للمطر.


أجمل ما في المغرور أنه يُتقن فن الخداع، يخدع نفسه أولًا، ثم يحاول إقناعك بأنك أقلّ قَدْرًا لأنك لا تجيد صفّ الأوهام مثله ولا تملك تلك القدرة العجيبة على تضخيم اللاشيء حتى يصير “مقامًا” و“هيبةً” و“كرسيًا” ولو من البلاستيك المستعمل.


المغرور عادةً يبدأ يومه بتفقد "سلّم المجد" الذي يعتقد أنه يتسلقه، بينما هو في الحقيقة يتعثر في عتبة نفسه. يظن أنك تراه عظيمًا، رغم أن عظمته لا تتجاوز حدود القصص التي يرويها لنفسه ليلًا قبل النوم كي لا يشعر بالوحدة.


ولأن الكبرياء شيء، و"نفخ الذات" شيء آخر، تجد المغرور لا يعرف حدودًا للاعتداد بنفسه. يكبح طموحه فقط حين يشعر أن الطريق لا يناسب مقاساته، أو حين يخشى أن يكتشف الناس أنه ليس سوى صوت مرتفع بلا أثر، ورأس مرفوع بلا عقل يسانده.


إنهم أولئك الذين يخيل إليك أن بداخل أحدهم “معلّمًا” يصفع الناس بأدبه، وآخر “فيلسوفًا” يتحدث بلباقة عن كل شاردة وواردة، وثالثًا “خبيرًا فشفشيا” لا يعرف الفرق بين ثقله الحقيقي وثقل دمه.


إنهم يطلبون من الآخرين الاحترام، بينما لا يملكون احترامًا واحدًا، لا للمنطق، ولا للناس، ولا حتى للقيم التي يتشدقون بها.

يظنون أن العالم يدور حولهم، بينما الحقيقة أنهم يدورون حول أنفسهم في حلقة فارغة؛ كراقص سماعٍ فقد الموسيقى لكنه ما زال يلفُّ بلا هدف.


الطريف أن هذه الفئة تظن أن الكبرياء مرادف للجهل، وأن الثقة بالنفس لا تتحقق إلا بإهانة الآخرين، ولا يدرون أنهم إنما يهينون كرامتهم، وكأن احترام الذات لا يكتمل إلا بتحقير من حولهم.


ولك أن تتخيل حجم الخيبة التي تسقط عليهم حين يدركون، متأخرين كالعادة أن كل تلك “الأعمدة” التي بنوا عليها مجدهم الفضفاض، لم تكن سوى، أكياس هواء مربوطة بخيط وإبرة.


لهذا نقول لهم دومًا: أن تبقى وفيًا لعقلك نعمة ربانية. وأن ترفع نفسك بلا استجداء كرامة.

وأن تتجنب الغرور، فهذا إنقاذٌ لسمعتك قبل أن يكون احترامًا للناس.


فالغرور ليس مرضًا، بل مهارة لا يتقنها إلا الأغبياء.