تحل علينا الذكرى 58 ليوم الجلاء، وبهذه المناسبة نقدم لكم بعض التفاصيل عما حصل في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ عدن السياسي, الذي مر بأزمات متفاقمة في الفترة من عام 1963م وحتى يومنا هذا..
بعد زيارة لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة إلى عدن في إبريل 1967م، وتصاعد الضغوط الدولية والمحلية لإنهاء الوجود البريطاني، اتضح أن بريطانيا لم تعد قادرة على الاستمرار في السيطرة على عدن وجزيرة ميون .. كانت بريطانيا قد حددت تاريخ 18 يناير 1968م، موعداً مبدئياً لانسحابها، لكن التطورات المتسارعة على الأرض، بما في ذلك تصاعد الصراعات الدامية بين الفصائل الوطنية في عدن للسيطرة عليها، والاغتيالات السياسية التي زادت من التوتر، دفعتها إلى تقديم موعد انسحابها إلى 30 نوفمبر 1967م.
في إطار ترتيبات الانسحاب، دعت بريطانيا الأطراف السياسية إلى مفاوضات لتحديد شروط الاستقلال في جنيف، ولكن كان شرط الجبهة القومية الوحيد، هو الانفراد بزمام الأمور، وعدم إشراك حكومة اتحاد الجنوب العربي وجبهة التحرير في تلك المفاوضات، مصرة على تمثيل القضية لوحدها، هذا الموقف أثار استياء دولياً ودفع الأمم المتحدة إلى رفض استضافة المفاوضات في مقرها بجنيف، وبدلاً من ذلك، تم نقل مقر المفاوضات إلى مبنى جمعية الفتيات المسيحيات الشابات في جنيف.
خلال المفاوضات، التي جرت وسط أجواء من التوتر والانقسام، ركزت الجبهة القومية على هدفها الأساسي، الا وهو الاستحواذ على السلطة واستلام الحكم بأي ثمن .. ولتحقيق ذلك، قدمت الجبهة تنازلات عديدة في بنود المفاوضات، ومن أبرز هذه التنازلات كان التراجع عن مطالبة بريطانيا بدفع تعويضات مالية كبيرة كانت مستحقة لعدن.
كما أن المفاوضات، في جوهرها كانت لتسليم الإستقلال لعدن وجزيرة ميون فقط، وليس لكامل مناطق المحميات الشرقية والغربية، لأن بريطانيا كانت تحتل بشكل مباشر عدن وجزيرة ميون فقط، في حين أن المحميات الشرقية والغربية كانت تخضع لاتفاقيات حماية وصداقة بموجب اتفاقيات عقدتها بريطانيا مع السلاطين والشيوخ المحليين .. اقتصرت نتائج المفاوضات على ترتيب خروج آمن لبريطانيا من عدن وجزيرة ميون، دون التطرق إلى المحميات بشكل مباشر.
وبحلول 30 نوفمبر 1967م، انسحبت بريطانيا رسمياً من عدن، وسلمت السلطة للجبهة القومية بشكل كامل، في مقر القنصلية البريطانية في جنيف، بعد المصادقة على محاضر الأتفاقية المبرمة بينهما، والمصادقة عليها في البرلمان البريطاني، متجاوزة بقية الأطراف السياسية .. وعلى الرغم من أن هذا اليوم شهد رفع علم الدولة الوليدة في مدينة الشعب في عدن، إلا أن طريقة ترتيب الانسحاب، والقرارات الأحادية للجبهة القومية أثرت بشكل كبير على المستقبل السياسي للمنطقة، فقد أدى هذا الانفراد بالسلطة إلى ترك انقسامات داخلية عميقة بين الفصائل الوطنية، وأدى ذلك إلى صراعات وحروب داخلية إستمرت لأكثر من عقدين من الزمان.
منذ الثلاثين من نوفمبر عام 1967م، حتى يومنا هذا، مر 58 عاماً تحملت خلالها البلاد وعدن خصوصاً العديد من التحديات والمآسي والصعاب، فعلى الرغم من خروج بريطانيا، إلا أن الأمل الذي كان يحدو الشعب ببناء دولة قوية ومستقرة ومزدهرة تلاشى مع مرور الزمن، بسبب سلسلة من الأخطاء السياسية الكارثية، والصراعات الداخلية التي أرتكبت، والسياسات الاستبدادية الخاطئة التي هيمنت على المشهد.
هذه الديكتاتورية أفسحت المجال لتنامي الصراعات بين الفصائل المختلفة، حيث شهدت البلاد فترات متتالية من الاضطرابات والانقلابات والاغتيالات السياسية، والتي أسفرت عن تقويض أي محاولات حقيقية لتحقيق التنمية أو العدالة الاجتماعية، وأستمر ذلك حتى عام 89، بعدها دخلت البلاد في مرحلة سياسية جديدة في عام 1990م، الا وهي مرحلة توحيد قطبي اليمن الشمالي والجنوبي، وسُلمت بموجبها البلاد على طبق من ذهب للشمال اليمني،
وعلى مدار ثلاثة عقود وأكثر، تفاقمت الأوضاع بفعل الفساد المؤسسي، وغياب سيادة القانون، واستخدام السلطة لتحقيق المصالح الضيقة على حساب مصالح الشعب، أصبحت العدالة والمساواة شعارات جوفاء في ظل استمرار التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وتدهور الخدمات الأساسية، وانتشار البطالة والفقر بين أبناء الشعب.
لم يكن إرث الصراعات السياسية فقط هو ما أثقل كاهل البلاد، بل إن استمرار غياب التوافق الوطني، والاعتماد على القوة بدلاً من الحوار، خلق حلقة مفرغة من الظلم والتهميش، ومع تعاقب الأنظمة السياسية المتوالية، ظل الشعب يعاني من واقع مؤلم، حيث تحولت الأحلام التي رافقت الاستقلال ومن بعده وحدة التراب اليمني إلى خيبات أمل متتالية .. وعلى الرغم من مرور 58 عاماً منذ الاستقلال مروراً بالمراحل السياسية المختلفة، إلا أن الشعب لا يزال يعيش تحت وطأة التخلف والفساد المالي والإداري، والظلم والمحسوبية والمناطقية، في ظل غياب رؤية حقيقية للتغيير والإصلاح، ومازالت عدن تحت سطوة إستعمار جديد.
وتناثرت آمال شعب بائس
قد طال ما عبث به الدُخلاء
بلال غلام حسين
٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥م