بقلم. رائد الغزالي
بحلول الذكرى الـ58 لعيد الاستقلال الوطني الثلاثين من نوفمبر، استقلال الجنوب اليمني من الاستعمار البريطاني البغيض عام 1967م،تتجدد في داخلي مشاعر الفخر والاعتزاز بهذه المناسبة العظيمة التي لا مثيل لها في تاريخ بلادنا. إنها محطة تجسد نضالات وتضحيات وشهداء ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة وما قبلها، تلك الثورة التي انطلقت شرارتها الأولى من جبال ردفان الشامخة، بعد استشهاد مفجرها الشهيد راجح بن غالب لبوزة ورفاقه الأبطال.
ورغم أن سنوات الاستقلال مضت قبل أن نولد، إلا أن آباءنا وأجدادنا حملوا إلينا هذا التاريخ في ذاكرتهم الحية، ورووه لنا بكل صدق ووفاء. ودرسنا عن هذا التاريخ في المدارس، وقرأناه في الكتب التي سطرها رجال وطنيون حملوا هم تدوين تضحيات هذا الشعب وإرثه العظيم.
كيف يمكن لمشاعرنا اليوم أن تمر دون أن نتوقف أمام هذه الذكرى العظيمة؟ من حق كل شخص أن يعبر عن مشاعره تجاه هذا اليوم، وأن يوجه رسالة حب ووفاء وتقدير للوطن ولأرواح صناعه. والتطرق لمثل هذه المناسبات واجب على كل مثقف وواعٍ، لأن خلف هذا التاريخ رجال تعبوا، وضحّوا، واستشهدوا لكي نصنع اليوم الذي نحتفل به. ومن الواجب أن ننقل هذا الإرث للجيل الصاعد ليعرف ما قدمه الأولون.
ورغم قدسية المناسبة، إلا أن الواقع الذي نعيشه اليوم يبدو بعيدا كل البعد عن الأهداف التي استشهدوا من أجلها،واقع يتسم بتدهور شامل، وفساد مستشري، وفوضى في العمل المؤسسي، وانهيار في النظام والقانون وفوضى داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية. فوضى، وفقر، وغلاء، وخدمات منهارة، وتعليم يتعرض لتآمر ممنهج، وإحباط يخيم على نفوس معظم الشعب.
هذا الواقع المؤلم لا ينسجم مع تضحيات من قدموا أرواحهم لاستقلال الجنوب. بل إن السيادة اليوم أصبحت مرهونة للخارج، حتى إن المستعمر الذي خرج قبل 58 عامًا يستطيع اليوم أن يعود متى شاء، وبكل سهولة، دون أن يحشد جيوشه كما كان يفعل في الماضي. ومن ينكر ذلك فهو يغالط نفسه.
المستفيدون من هذا الوضع هم القوى السياسية التي ارتمت في أحضان الخارج، وأشخاص من داخل تلك القوى تحولوا إلى أدوات منفذة، فحققوا مصالح شخصية، وأموالًا، وامتيازات لم يحلموا بها يومًا. وفي النهاية يقفون أمام الناس كأنهم بناة الوطن وحريصون عليه، بينما الذين يدفعون الثمن هم أبناء الفقراء، البسطاء، أبناء هذا الوطن الذين يقدمون تضحيات صادقة وهم يظنون أن هناك وطنا يُبنى.
وستظل الحقيقة واضحة: الوطن لا يبنى بالشعارات ولا يصان بالخداع، بل بتصحيح المسار واستعادة الأمانة التي حملها الشهداء.