آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-06:20م

بين لين الأفئدة ورقة القلوب

الأحد - 30 نوفمبر 2025 - الساعة 08:47 م
د. عارف محمد الحوشبي

بقلم: د. عارف محمد الحوشبي
- ارشيف الكاتب


ثمة لحظات في حياة الإنسان لا يذهب إليها بقدميه بل يذهب إليها بقلبه كأن المكان يستدعيه ليكشف له وجها جديدا من حكمة الوجود. وهكذا كانت رحلتي الأولى بالامس 28 نوفمبر 2025 م إلى مدينة الخوخة في محافظة الحديدة... لم تكن مجرد زيارة عمل بل كانت واقعة روحية ورحلة إلى معنى أبعد مما رأته العين.


الذهاب إلى الخوخة يشبه دخول فصل مفتوح في مدرسة الحياة، مكان يختبر قدرتك على رؤية العالم بعين أوسع من المنصب وبقلب أرحب من التكليف. البحر إلى يسارك يراقبك بصمته الأزلي والبيوت المتناثرة تتحدث بلغة البساطة والوجوه وتروي حكايات النزوح قبل أن تنطق الالسن.


في كل خطوة أشعر أني أدخل عمقا جديدا من السؤال:

هل نحن الذين نزور الأماكن... أم الأماكن هي التي تعيد ترتيبنا من الداخل؟


لقد كان في استقبالنا د. علي الأهدل مدير عام الصحة بالمحافظة والأستاذ يحيى عباس مدير ادارة التثقيف بالمحافظة وآخرون. لم يكن المشهد مجرد صف من المسؤولين بل كان لوحة أخلاقية تكشف لك أن المودة يمكن أن تسبق الكلمات وأن الصدق المهني يمكنه أن يصنع أول جسر نحو العمل المشترك وأدركت فورا أن كل ما سنفعله هنا لن يكون مجرد إجراء إداري... بل سيكون مساهمة في إعادة ترتيب حياة بشر يواجهون يوميا معنى البقاء.


خلال افتتاح الدورة التدريبية للمتقفات الصحيات من أم إلى أم والتي تنفذ بالشراكة مع منظمة الطفولة اليونيسف شعرت أننا لا ندشن نشاطا بل نشعل شعلة صغيرة في بيت واسع. فالمعرفة التي تنتقل من أم إلى أخرى لا تقاس بكمية المعلومات فحسب بل بقدرتها على أن تغير مصير طفل او أم وتعزز وعي أسرة وتخلق فجرا جديدا في ثقافة المجتمع ككل.


حين تعرفت على المشاركات أدركت أننا أمام كوكبة تحمل تنوعا معرفيا يجعل المكان أشبه بحديقة فكرية:

بكالوريوس... دبلوم... ثانوية...

لكن الجامع بينها لم يكن الشهادة بل الصدق والنية وفي تلك اللحظة أدركت معنى فلسفيا بسيطا وعميقا:

إن الوعي لا يتشكل بقدر ما نحمل من شهادات بل بقدر ما نحمل من شغف ومسؤولية تجاه الآخرين.


على هامش الزيارة مررنا بخمسة مواقع صحية وكانت الدهشة هي الرفيق الذي لا يفارقني. نظافة المكان وانتظامه واستعداد العاملين للعمل في اغلبها حتى في يوم السبت وهو يوم راحة اسبوعية كل ذلك جعلني أفهم أن الإنسان حين يكون صادقا مع رسالته ومجتمعه وقبل ذلك مع به لا تعود الأيام معيارا بل يتحول الوقت كله إلى واجب أخلاقي.


كنت أسير داخل تلك المواقع وأنا أفكر:

هل الجدران هي التي تنظف وتنتظم؟

أم أن القلوب المرتبة هي التي تمنح المكان هيبته؟


كم من المراكز الكبيرة حول العالم تتعثر وكم من المراكز المتواضعة يسبق صيتها حجمها لا لشيء بل لأن العاملين فيها يعيدون تعريف معنى (المسؤولية).


الحديدة اليوم تشبه إناء صغيرا فاضت فيه الأرواح... النازحون يفوقون السكان الأصليين بثلاثة أضعاف وربما أكثر وكل وجه يحمل جرحا وكل عائلة تحمل قصة وكل يد تمتد إلى السماء شاخصة بأبصارها الى باريها وهي تسأل أقل القليل من شروط الحياة.


أمام هذا الثقل، تبدو المرافق الصحية كمن يحمل جبالا على كتفيه. ومع ذلك فأنا أتعلم هنا درسا فلسفيا نادرا:

ليس أثقل الأعباء ما يحطم الإنسان... بل غياب الأمل.

وحين رأيت الأمل في عيون العاملين، أدركت أن الخوخة برغم الضيق فهي واسعة بمن يعملون فيها.


لا يمكن إنكار الدعم الذي يوليه معالي وزير الصحة العامة والسكان أ.د. قاسم محمد بحيبح ولا دور المحافظ د.الحسن طاهر ولا إسهام قيادة المقاومة الوطنية بقيادة الفندم طارق صالح وغيرهم من شركاء الصحة كل ذلك حاضر وفاعل وملموس ولا ينكره احد.... لكن الفلسفة هنا تقول شيئا إضافيا آخر وهو إن بعض الأماكن تحتاج إلى أكثر من الدعم... تحتاج إلى رؤية جديدة، لأن الواقع فيها ليس عاديا، بل مضاعفا بفعل النزوح وندرة الإمكانات وبعد المسافات.


الخوخة لا تطلب الكثير... هي تطلب فقط ما يكافئ حجم الحياة التي استقبلتها رغم كل ظروفها.


هناك حقيقة يجب أن أقولها وهي إن أبناء تهامة ماهم إلا قلوب تمشي على الأرض برفق وطيبة ولين وحينما تتعامل مع أهل تهامة تشعر أن الله منحهم شيئا زائدا عن سائر الخلق ألا وهو نعمة القلب الطيب.... لست بحاجة لشرح طويل كي تفهمهم فابتسامتهم تكفي وصمتهم يعبر وبساطتهم تفتح الطريق.


هؤلاء الناس هم البرهان الحي على حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال عنهم: أرق قلوبا وألين أفئدة.


أفكر أحيانا واقول هل كان الحديث وصفا أم نبوءة ترى تحققها اليوم في كل بيت تهامي وفي كل يد تساعد وفي كل طفل يبتسم رغم ثقل الواقع؟


لقد عدت من الخوخة وأنا أحمل يقينا جديدا أن العمل الصحي ليس مهنة بل فلسفة، وأن زيارة واحدة قد تغير نظرتك للإنسان أكثر مما تغيره سنوات من الكتب، لقد علمتني تهامة أن المكان الفقير يمكن أن يكون غنيا بأخلاق أهله وأن الإنسان البسيط قادر على أن يضيف إلى حياتك معنى جديدا وأن القلوب حين تكون رقيقة... يصبح العالم أقل وحشة وأكثر طمأنينه، وأن الرحلة التي كان ظاهرها مهمة رسمية كان باطنها درسا إنسانيا عميقا، درس يقول لنا بصوت تهامي هادئ إن القوة ليست في صلابة الجسد... بل في لين القلب.

وإن البقاء ليس للأكثر ضجيجاً... بل للأكثر حباً.

وإن أثر الإنسان يقاس بعدد الأرواح التي لامسها لا بعدد المناصب التي عبرها.


وهكذا بين لين الأفئدة ورقة القلوب...تركت الخوخة في داخلي نافذة مفتوحة على ضوء جديد وأمل متجدد.


✍️*بقلم: د. عارف محمد الحوشبي*