آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-03:58م

مأرب ووحدة اليمن: من إرث المُكَرّبين إلى مسؤولية العرادة

الخميس - 04 ديسمبر 2025 - الساعة 07:53 ص
مأرب الورد

بقلم: مأرب الورد
- ارشيف الكاتب


بعد التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة في محافظة حضرموت، والتي أسفرت عن سيطرة مليشيات "المجلس الانتقالي الجنوبي" على وادي حضرموت في مشهد أشبه بعملية "تسليم وتسلم" باستثناء اشتباكات محدودة، عاد إلى الأذهان ما حدث في محافظات أخرى منذ نكبة 2014.

لقد جاء هذا التحرك تحت غطاء "شرعية الاعتراف الدولي" لمجلس "القيادة الرئاسي"، وهي شرعية اشترتها القوى الأجنبية التي صاغت هذا المجلس عبر مصالحها مع العالم، للتخلص من سؤال فشلها في إعادة الرئيس عبدربه منصور هادي إلى العاصمة صنعاء، وهو الأساس الذي طلب تدخلها من أجله. وكان واضحًا لكل ذي بصيرة، ولكل صاحب ضمير غير ملوث بالمال الخليجي، أن الهدف الأهم للمجلس الرئاسي هو تمكين الانفصال تحت مظلة هذه الشرعية، ظنًا منها أنها ستكون بمنأى عن التبعات القانونية لتقسيم اليمن، رغم أن القانون الدولي لا يسمح بذلك.

إن سيطرة الانتقالي على حضرموت، التي تمثل آخر منفذ للمحافظة سواء باتجاه منفذ الوديعة البري مع السعودية، أو عبر الطريق الدولي المؤدي إلى المهرة وصولًا إلى بحر العرب، تعكس حجم التغيير الاستراتيجي على خريطة النفوذ.

لطالما كانت المنطقة العسكرية الأولى في سيئون بمثابة مركز الدعم اللوجستي والعسكري لمأرب طوال السنوات الماضية، عندما كانت المحافظة تؤدي دور السد الأخير للدولة والجمهورية. وكان خط الوديعة يمثل شريان الإمداد الرئيسي من السعودية، تمامًا كما كان الخط القادم عبر المهرة مرورًا بحضرموت يمثل منفذًا بديلًا. اليوم أصبحت مأرب محاصرة من جميع الجهات بعد إغلاق آخر المنافذ، فشبوة تخضع لسيطرة الانتقالي منذ 2022، بينما البيضاء، كحال الجوف وصنعاء، تحت قبضة الحوثيين الذين سيطروا على معظم مديرياتها، ما يجعل الخناق يضيق أكثر فأكثر.

من الواضح لكل متابع أن سيطرة الانتقالي على وادي حضرموت لم تكن نتيجة معركة، بل تمت بضوء أخضر من دولتي التحالف، السعودية والإمارات، وفق حساباتهما واستراتيجياتهما في اليمن، وهذا يعني أن مأرب ستكون السيناريو التالي، بغض النظر عن التوقيت. والأمر لا يتعلق بحزب الإصلاح، وهي شماعة استُهلكت طوال 11 عامًا، بل بسعي الدولتين لإعادة هندسة اليمن جغرافيًا وسياسيًا، ليصبح نظام الحكم فيه تحت وصايتهما لعقود قادمة. نعم، هما تسعيان إلى التقسيم، لكن ليس بالضرورة التقسيم إلى شمال وجنوب، بل إلى كنتونات خاضعة للسيطرة، تحقق الهدف النهائي: إبقاء اليمن ضعيفاً، ممزقاً، ومشتتًا بين قوى متعددة.

والسؤال الأبرز هنا: ماذا لو شن الحوثيون هجومًا على مأرب وقد أصبحت مكشوفة الظهر؟ إلى متى ستتمكن من الصمود؟ حتى خط الإمداد السري لتهريب أو شراء السلاح عبر المهرة انقطع، والخط القادم من منفذ الوديعة مع السعودية بات مغلقًا هو الآخر والمسألة وقت، وإذا طال أمد المعركة، فمن أين ستأتي الذخائر والسلاح؟ وهنا تظهر الحاجة إلى تحرك عاجل من الشيخ سلطان العرادة بصفته ليس فقط محافظاً، بل نائب رئيس الدولة.

لقد نظر اليمنيون إلى الشيخ سلطان باحترام وتقدير، كونه أبرز المحافظين الذين واجهوا الحوثيين ورفضوا التسليم، وكان رأس الحربة طوال سنوات الحرب حتى أبريل 2022 عندما قررت السعودية والإمارات تشكيل المجلس الرئاسي وضمه إليه. ومع ذلك، فقد قبل الشيخ سلطان هذه المسرحية وهو يعلم تمامًا كواليسها، ليس جهلاً فهو سياسي وبرلماني مخضرم، وإنما لسببين: أولاً، لأنه مثل غيره من الساسة اليمنيين الذين نادرًا ما يرفضون طلبًا للسعودية، لاعتبارات مختلفة وهي بالنسبة شخصية أكثر، خصوصًا أن اسم الشيخ سلطان نفسه جاء تيمناً بسلطان بن عبدالعزيز، وفاءً للعلاقة الوثيقة بين عائلته والأسرة المالكة في السعودية. وثانيًا، حفاظًا على منصبه كمحافظ وهي أولويته القصوى.

لقد تحوّل دور الشيخ سلطان من رأس حربة في الدفاع عن الجمهورية إلى محافظ يسعى للحفاظ على كرسيه، ومنذ ذلك الحين تغيّرت صورته لدى الناس؛ فباتت معظم تحركاته عبارة عن لقاءات مع سفراء ومسؤولي منظمات في الرياض أو مأرب، لقاءات بلا أثر ملموس، تشبه إلى حد كبير الأنشطة الشكلية التي يمارسها مسؤولون بلا صلاحيات. فماذا قدّم الشيخ سلطان على المستوى التنموي؟ ماذا فعل كنائب رئيس؟ ماذا قدّم لملف الجرحى الذين اعتصموا أسابيع بالقرب من مقر إقامته دون حل لقضيتهم. ومع ذلك يتعامل الشيخ سلطان وكأنه محافظ، لا نائب رئيس جمهورية، بينما كان علي محسن، رغم الانتقادات ضده، يمارس دور نائب الرئيس فعليًا في التوجيه والتحرك واتخاذ القرار.

إذا كان الشيخ سلطان عاجزًا عن معالجة ملف بسيط مثل ملف الجرحى، فما الذي أنجزه خلال أربع سنوات؟ هل يستطيع هو أو فريقه الإعلامي تقديم كشف حساب واحد يوضح ما حققه للشعب؟ في عهده عجزت السلطة الشرعية عن دفع رواتب الموظفين خمسة أشهر.

على المستوى القبلي، يظل الشيخ سلطان ناجحًا ومتوازنًا، وفي إدارة الحرب قدّم أداءً مقبولًا، لكن على المستوى التنموي والإداري رافقت إدارته مستويات كبيرة من الفساد. شخصيات مقربة منه كانت تقول عند السؤال عن غياب المحاسبة: "الشيخ سلطان لا يحاسب أحد، فالمرحلة مرحلة حرب"، لكنه كان يضحي بموارد الشعب من أجل طموحه السياسي والشخصي، ولم تكن التعيينات قائمة على الكفاءة بل على الولاء والترضيات القبلية، وكان هناك استياء من مشايخ قبيلة مراد الذين لديهم ثارات مع عبيدة التي ينتمي إليها العرادة، ولطالما قيل إنه ينحاز إليها.

عندما شهدت الجبهات نكسات 2020–2022، طُرح عليه مرارًا تشكيل ألوية مستقلة لحماية المحافظة، ولكنه كان يتحجج بأنها ليست من صلاحياته، رغم أن هادي كان يمنحه مساحة واسعة، ورغم توفر الموارد، وحتى عندما أعلن النفير القبلي، لم تكن هناك استجابة كبيرة، وجرى تسليم مهمة الحشد لمشايخ غير أكفاء، وقيادات في حزب الإصلاح، أهدروا الموارد دون محاسبة.

اليوم بعد سيطرة الانتقالي على شبوة وحضرموت، أصبحت مأرب مهددة أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك لا يزال موقف الشيخ سلطان تجاه الانفصال خافتًا، أقرب إلى الصمت المخجل. وهو صمت يناقض قسمه بالحفاظ على الوحدة، إحدى الثوابت الوطنية. وحتى موقفه من الجمهورية يُختزل بجغرافيا الحوثي، لا الجمهورية اليمنية بحدودها المعروفة.

ويُشار هنا إلى أن تاريخ مأرب ووحدة الأراضي اليمنية له جذور عميقة. فقد احتفظ حكام سبأ الأوائل بلقب المُكَرّب (تُنطق بضم الميم وفتح الكاف وتشديد الراء)، وهو مصطلح مشتق من اللغة اليمنية القديمة من أصل الفعل "كرب" الذي يعني جمع أو حشد، مما يجعل المُكَرّب بمثابة الموَحِّد الذي يتولى رئاسة الأحلاف القبلية، بخلاف الملك الذي يحكم قبيلة واحدة.

من هذا المنظور، نجد أن مأرب لم تكن مجرد مدينة، بل كانت رمزًا للوحدة اليمنية التاريخية، والسلطان أو الحاكم فيها كان دائمًا مضطلعًا بمسؤولية حماية هذه الوحدة، تمامًا كما يجب أن يكون دور المحافظ الحالي، الشيخ سلطان العرادة، حاميًا للوحدة الوطنية ومؤمنًا بأهمية الحفاظ على تماسك الأراضي اليمنية.

عندما كنت أسأل بعض المقربين منه، لماذا يصمت تجاه التقسيم وما يفعله الانتقالي فيقولون "هم أخواننا"، يعني لا يريد أن يزعل المجلس الانتقالي، ولتذهب الوحدة وجزء من البلاد في ستين داهية. ومن الغريب أن الانتقالي اختطف مدير مكتبه لأشهر ورفض كل الوساطات قبل أن يطلق سراحه لاحقا، فإذا كان هذا تعاملهم معه في قضية بسيطة، فكيف يمكن أن يعتمد عليهم حين يشتد الخطر؟

لقد أصبح الشيخ سلطان، منذ أبريل 2022، يتصرف مثل بقية القيادات التي فقدت البوصلة، تجري أحداث جسيمة في البلد، ولا يعلّق، ولا يتخذ موقفًا، منصبه نائب رئيس جمهورية، لكنه يتصرف كأنه محافظ لمديريتين. ما الجدوى من هذا النهج؟ وما الفائدة من سياسة المجاملة والصمت حتى الآن؟

ولا تزال هناك فرصة، وإن كانت محدودة، أمام الشيخ سلطان موارد المحافظة، ويحكم دون رقابة أو محاسبة، ويستطيع تشكيل قوة من عشرين ألف مقاتل على الأقل ودفع رواتبهم، حتى لو تطلّب الأمر قطع حصة الحكومة من الإيرادات، بعدما فقدت شرعيتها أساسًا.

لكن عليه أولاً التخلص من المجموعة المغلقة التي أحاط نفسه بها، ممن لا يحبون إلا أنفسهم، فالعديد من مشايخ مأرب اشتكوا من صعوبة الوصول إليه، لا بالهاتف ولا باللقاء المباشر، وكانت تبريرات المحيطين به: "هؤلاء يريدون منه فلوس"، وهذه طبيعة السلطة، فالمواطنون لا يطلبون من الشيخ القبلي، بل من المسؤول الذي يُفترض أن أمواله من مال الدولة.

التحالف الخفي مع الإصلاح كان تحالفًا طبيعيًا بين قوى منظمة، استفاد منهم في التجنيد والدفاع، واستفادوا منه في الامتيازات، لكن عليه ألا ينسى أن السعودية والإمارات أسستا في فبراير 2022 ما يسمى "محور سبأ" الذي يضم مجاميع من قبيلة مراد وعناصر سلفيين وقبائل من مأرب والبيضاء، وتم تشكيل ثلاثة ألوية بدعم إماراتي وسعودي، وعُيّن الشيخ عبدالهادي المرادي قائدًا لها. وهي قوات متمركزة في حريب على حدود شبوة، أي ضمن خط إمداد الانتقالي. وهذه القوات قد تكون الخطر القادم والتي قد يتم تكليفها بمهمة "تحرير مأرب" من بعبع الإخوان المبالغ فيه و "الإرهاب" مثلما حصل في حضرموت وغيرها. وهذا يعني أن هناك متربصين من غير الحوثيين.

لذلك، عليه اغتنام الفرصة وتجهيز الآلاف لحماية ما تبقى من المحافظة وعدم انتظار الكارثة، أما اللقاءات مع المبعوث الأممي أو السفير الأمريكي فمجرد اجتماعات بروتوكولية لا تغني ولا تسمن. لقد كان الناس ينظرون إليه كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية، لكنه قلّص طموحه إلى منصب محافظ، واليوم أصبح محافظ مديريتين وقد يخسرهما. وهكذا تتقزم المواقف عندما يتم تقزيم الجمهورية في جزء جغرافي ونسيان الوحدة.