آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-07:20ص

هكذا يهلك الله الطغاة!

الجمعة - 05 ديسمبر 2025 - الساعة 07:10 م
د. الخضر عبدالله

بقلم: د. الخضر عبدالله
- ارشيف الكاتب


د. الخضر عبدالله


يروي وهب بن منبّه رحمه الله قصةً بليغة الدلالة عن أحد الجبابرة الذي شيّد قصراً عظيماً شاده بالحجارة وزيّنه بأفخم ما عرفه الناس في زمانه. وبينما هو يطوف يوماً حول قصره، وقعت عيناه على كوخ صغير متواضع بني إلى جانب أسواره الشاهقة. سأَل الجبار غاضباً: لمن هذا الكوخ؟ فقيل له: إنه لامرأة عجوز فقيرة تأوي إليه. فاستشاط ظالماً، وأمر بهدم الكوخ فوراً. ولمّا عادت العجوز ووجدت مأواها قد صار أثراً بعد عين، سألت: من هدمه؟ فقيل لها: الملك رآه فهدمه. عندها رفعت رأسها إلى السماء وقالت في تضرّع صادق: «يا رب، إذا لم أكن أنا حاضرة فأين كنت أنت؟». فاستجاب الله دعاءها، وأمر جبريل أن يقلب القصر على من فيه، فكان عبرة للطغاة وموعظة للأحياء.


هذه القصة ليست من الماضي فحسب، بل هي صورة متكررة في كل عصر، تؤكد أن دعوة المظلوم لا تُرد، وليس بينها وبين الله حجاب. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من عواقب الظلم بقوله: «اتَّقُوا الظُّلمَ، فإنّ الظُّلمَ ظُلُمات يوم القيامة، واتّقوا الشُّحَّ فإنّ الشُّحَّ أهلك مَن كان قبلكم». وهو تحذير ينبه إلى أن الظلم لا يفسد الفرد وحده، بل يدمّر الأمم ويقوض دعائم العمران ويجرّ الويلات على المجتمعات.


إن للظلم عواقب وخيمة لا تقف عند حدود المعتدي، بل تمتد لتشمل الساكت عنه والراضي به. فالسكوت عن الظلم مشاركة فيه، والتهاون في مقاومته يفتح الباب أمام ظلم أكبر. وقد جرت سنّة الله في خلقه أنه ما من ظالم إلا ويُبتلى بمن هو أظلم منه، كما قال تعالى: «وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا».


وإذا ألقينا نظرة على واقعنا المعاصر، فإننا نجد أن التاريخ لا يزال يعيد نفسه، إذ تتساقط عروش الظالمين واحداً بعد آخر، وتنهار دول كانت تبدو راسخة، لأن الظلم لا يبني دولة، والفساد لا يقيم حضارة، والطغيان لا يصنع أمناً. وكل ما نراه حولنا من فقر مستشرٍ، وجهل متفاقم، وتبعية مرهقة، ونهب للثروات، واغتصاب للحقوق، وتشرّد الملايين من أوطانهم، إنما هو دليل على أن الظلم إذا استشرى في أمة أهلكها، وإن بقيت أرضها قائمة. فالأوطان لا تُخطَف من حدودها فقط، بل تُنتزع من قيمها وأخلاقها حين يستبدّ الظالمون.


إن الأرواح التي أزهقت بغير حق، والدماء التي سالت ظلماً، والملايين الذين شُرّدوا في أصقاع الأرض، والآلاف الذين يقفون في طوابير طويلة بحثاً عن لقمة العيش، كلها شواهد على أن الظلم ليس جريمة فردية فحسب، بل كارثة اجتماعية تمسّ الجميع. وإن فساد القلة لا يزدهر إلا عندما يسكت عنه الكثرة، وعندما يفضّل الناس السلامة على مواجهة الباطل.


ولهذا، فإن الخروج من هذا النفق لا يكون إلا بالعودة إلى الله، وإصلاح النفوس قبل إصلاح الأنظمة، ومواجهة الظلم بدل الاستكانة له، وبناء وعي جمعي يرفض الطغيان ويقيم العدل. يقول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». فالنهضة لا تبدأ من القصور المشيّدة، بل من الضمائر اليقظة، ولا تُبنى بالأقوال، بل بالأفعال التي ترفع الظلم وتؤسس للعدل.