في زاوية ما من جغرافيا القلب، يقف العقل اليمني البسيط في مواجهة حرب تجاوزت أعمار الأطفال الذين وُلدوا في بداياتها. عقل تشكّل في بيئة مثقلة بالفقر وقلة التعليم، يلتقط الأخبار كما يلتقط الغبار في المنازل الطينية: متراكمًا، متداخلًا، يقبل كل شيء دون مساءلة. صار هذا العقل – المُنهك بطبيعته – سريع التصديق لأي مسرحية سياسية تُعرض على خشبة الوطن؛ يصفق تارة للخلاص الزائف، ويغضب تارة على عدو لم يره، ثم يعود لبيته آخر اليوم حاملاً ذات الهم القديم والخيبة ذاتها.
ليست المشكلة في بساطة العقل ذاته، بل في مَن يدركون هذه البساطة ويستغلونها. فالحرب اليمنية لم تعد شأنًا داخليًا خالصًا، بل ملعبًا دوليًا مفتوحًا، تمارس فيه القوى الإقليمية والدولية هواياتها في الضغط والمناورة عبر مرتزقة ووكلاء، حتى غدت اليمن لوحة شطرنج، يُنقل جنودها دون أن يُسأل أصحاب الأرض عن رغبتهم في المشاركة.
ومع هذا كله، تُصرّ النخبة السياسية – تلك التي من المفترض أن تكون أكثر حكمة ووعيًا – على ألا تستمع لصوت العقال، ولا لصوت كبار السن الذين لطالما كانوا بوصلة القبيلة والقرية والمدينة. أصبح صوت الحكمة هامشيًا، يُنظر إليه كخطاب عاطفي لا مكان له أمام طوفان القرارات الممولة والمدفوعة من خارج الحدود.
في أعلى السلم، تجلس قيادة سياسية محشورة بين ملفات تحتاج توقيعًا، وبين وكلاء خارجيين يحتاجون إذنًا، حتى أن بعضهم – وفق ما يقوله الناس – لا يملك قرارًا في أبسط شؤون حياته الإدارية إلا بموافقة الكفيل. مشهد كاريكاتوري لسلطة فاقدة للسلطة، لكنها لا تزال تتشبث بالكراسي الأسفنجية التي تزداد نعومة كلما اشتدت قسوة الأيام على الشعب.
أما الشعب…
فقد دخل دائرة التعب الكبرى.
عشر سنوات كاملة من انهيار الخدمات: كهرباء تأتي كزائر خجول، صحة تترنح بين نقص الدواء وتعطل الأجهزة، تعليم ينزف ككتاب ممزق. عشر سنوات لم تُنجز فيها الدولة – أيًا كانت – مشروعًا واحدًا يستحق أن يُسمّى إنجازًا. صار اليمني يضحك مرغمًا حين يسمع كلمة “إصلاح”، فقد سئم من الوعود حتى جفت فيه مساحة التصديق.
ولم تكتفِ الحرب بإضعاف الاقتصاد والخدمات، بل امتدّت لتغذي المناطقية، التي تسللت كسرطانٍ اجتماعي، يقسم الناس على أساس جهوي وقروي، بين هذا وذاك، كأن الأرض لم تكن يومًا واحدة والهمّ لم يكن مشتركًا. قد يكون الاختلاف جزءًا من طبيعة الشعوب، لكن المناطقية حين تُغذى سياسيًا تتحول إلى سلاح يطعن الوطن في خاصرته.
ومع المناطقية، تدهورت الوسطية الدينية؛ ذلك الخط الذي كان يجمع اليمنيين حول قيم التعايش والزهد والتسامح. دخلت على البلاد أمواج من التطرف، لا ترتبط بجذور المجتمع بقدر ما ترتبط بالتمويل والهوى والفراغ الروحي الذي خلقته الحرب. غدا البعض يرفع رايات دينية لا يعرف معناها، وينادي بشعارات لم يعرف لها آباؤه ولا أجداده تمتمة واحدة.
هكذا يقف الوطن اليوم:
عقل منهك، شعب مرهق، نخبة صمّاء، وقيادة مربوطة، ولاعبون دوليون يحركون الخيوط كما يشاؤون.
وهكذا، بعد سنوات طاحنة من الحرب، يجد اليمني البسيط نفسه أمام واقع لم يختره، واقع صاغته قرارات أوصياء يتحكمون بمصير أرض طيبة كانت تستحق أن تدار بحكمة أهلها لا بأطماع غيرهم. سئم الرجل البسيط العيش في ظلام لا ينقشع، وتعبت المرأة من انتظار غد لا يأتي، وكاد الأمل أن ينطفئ في صدور الشباب الذين كبروا على أصوات المدافع بدل أصوات الحياة.
لم يفقد اليمني الأمل لأن قلبه ضعيف، بل لأن الرجال الذين يملكون مفاتيح الخلاص أغلقوا الأبواب، ولأن من يتحكمون بالقرار اختاروا دوام المعاناة بدل طيّ صفحتها.
إن ما يعيشه الناس اليوم ليس نتيجة عجزهم، بل نتيجة إرادة فوق إرادتهم، تُدير المشهد كما تشاء وتطيل أمد العتمة بلا تردد.
قد يبدو المستقبل محجوبًا، وقد يشعر الكثيرون أن لا خلاص يلوح في الأفق، لكن الحقيقة المرة أن هذا الشعور ليس قدرًا نزل من السماء، بل صناعة بشر ارتضوا لليمن أن يظل معلقًا بين الحرب والسلام. هذه هي مأساة اليمني اليوم: أنه يدفع ثمن قرارات لا تشبهه، وصراعات لا تليق بطينته، وأدوارًا لم يكتبها ولم يقبل يومًا أن يكون ممثلًا فيها.