كتب/ سالمين العامري
منذ لحظة إعلان الوحدة في الثاني والعشرين من مايو 1990 بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية بدا الأمر وكأنه ميلاد دولة جديدة تقوم على المساواة والندية والشراكة الكاملة بين شطرين عاشا عقوداً من الانقسام.
غير أنّ الواقع الذي تكشّف بعد سنوات قليلة أظهر أن تلك الوحدة لم تستمر بوصفها اتفاقاً رضائياً بين دولتين بقدر ما تحولت إلى وضع فرضته القوة وسياسات الإقصاء وهو ما جعل العلاقة بين الشمال والجنوب أقرب إلى حالة ((ضم)) لا إلى حالة ((وحدة)) الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام الجنوب للمطالبة اليوم بفك الارتباط استناداً إلى أسباب قانونية راسخة في القانون الدولي.
فالقانون الدولي يقرر بوضوح أن أي اتفاق بين دولتين بما في ذلك اتفاقات الوحدة يفترض أن يبقى قائماً ما دام الطرفان ملتزمان بجوهره وروحه
لكن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات وهي المرجعية العليا في تفسير الاتفاقات الدولية مادة ((60)) تنص على أنّ الإخلال الجوهري بأي اتفاق دولي يمنح الطرف المتضرر الحق في إنهائه.
وعندما اندلعت حرب 1994 لم تكن مجرد صدام سياسي داخلي بل كانت إعلاناً عملياً من قبل الجمهورية العربية اليمنية باستخدام القوة لفرض نظام حكم مخالف للاتفاق الذي قامت على أساسه الدولة اليمنية
فقد جرى إسقاط مؤسسات الدولة الجنوبية بالقوة وإقصاء قياداته
واحتلال مناطقه عسكرياً وهو ما اعتبره كثير من فقهاء القانون الدولي إلغاءً فعلياً للوحدة التوافقية وتحويلها إلى وحدة بالإجبار.
((وهذا وحده يشكل سبباً قانونياً واضحاً يجعل الجنوب مؤهلاً وفق (اتفاقية فيينا )لإنهاء الاتفاق والعودة إلى وضعه القانوني السابق))
وبالإضافة إلى ذلك فإن مبدأ حق تقرير المصير وهو من أهم مبادئ القانون الدولي يوفر أساساً آخر لحق الجنوب في فك الارتباط.
فهذا المبدأ لا يتعلق فقط بالشعوب الخاضعة للاستعمار بل يتعلق أيضاً بالشعوب التي يُحرم أفرادها من المشاركة السياسية العادلة أو تُفرض عليهم علاقة سياسية تتناقض مع إرادتهم الحرة.
وبعد حرب 1994 وجد شعب الجنوب نفسه خارج معادلة الحكم مهمشاً في القرار السياسي ومحرومًا من ثرواته ومحكوماً بمنظومة مركزية لا تمثل مصالحه ولا تعكس هويته ولا تسمح له بالمشاركة الفعلية.
وعندما يصبح الشعب غير قادر على ممارسة حقه في تقرير مصيره داخل الدولة القائمة فإن القانون الدولي يقرُّ له بالحق في ممارسة تقرير المصير الخارجي أي ((الحق في الانفصال وفك الارتباط))
كما أن الفقه الدولي الحديث أفرز مبدأً ثالثاً بالغ الأهمية يعرف بـ((الانفصال العلاجي)) وهذا المبدأ يرتكز على فكرة بسيطة وهي أنّ الوحدة التي تتحول إلى أداة للاضطهاد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري تفقد شرعيتها
ويصبح للشعب المتضرر الحق في استعادة كيانه السياسي المستقل. وقد طُبق هذا المفهوم في حالات متعددة مثل كوسوفو/ وتيمور الشرقية/ وجنوب السودان/ وهي حالات تشبه في جوهرها ما تعرض له الجنوب من إخلال بالشراكة ومنع لحقوقه السياسية واستفراد بالسلطة والثروة.
ومع الاعتراف الدولي السابق بالدولة الجنوبية وتحديد حدودها وسيادتها قبل 1990 يصبح ((الانفصال العلاجي)) سبباً قانونياً إضافياً يمنح الجنوب شرعية المطالبة بفك ارتباطه بالشمال.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أنّ الدولة اليمنية نفسها في صورتها الحالية لم تعد تمثل كياناً واحداً متماسكاً.
فمنذ الانهيار الكبير الذي بدأ عام 2014 توزعت السلطة بين أطراف متعددة وأصبحت البلاد عملياً في حالة تفكك سياسي وإداري وعسكري.
ومع غياب سلطة مركزية قادرة على إدارة دولة موحدة وعودة كل منطقة تقريباً إلى حكم ذاتي فعلي يصبح من الناحية القانونية أن الوحدة لم تعد قائمة إلا على الورق
بينما الواقع يشير إلى أن البلاد عادت إلى ما يشبه (الوحدتين) اللتين كانتا قائمتين قبل 1990.
وفي مثل هذه الحالات يجيز القانون الدولي عودة كل كيان سابق إلى وضعه القانوني المستقل إذا كانت عناصر الدولة الثلاثة(الشعب والإقليم والسلطة) متوافرة وهي كلها متوافرة في الجنوب اليوم بشكل واضح.
وانطلاقاً من ذلك كله يصبح مطلب فك الارتباط ليس مجرد مشروع سياسي أو رغبة شعبية بل حقاً قانونياً يستند إلى جملة من المبررات أهمها
الإخلال الجوهري باتفاق الوحدة واستخدام القوة لحسم الخلاف السياسي
فقدان مبدأ الشراكة وتعرض شعب الجنوب لحرمان من حقوقه الأساسية
وانهيار الكيان الموحد ذاته
وكل هذه الأسباب تتكامل لتؤكد أن الجنوب يمتلك الأساس القانوني الكامل لاستعادة وضعه الدولي والدستوري الذي كان عليه قبل الوحدة وأن العودة إلى دولته المستقلة ليست خروجاً على القانون الدولي بل انسجاماً معه.
إن استعادة الدولة الجنوبية لم تعد مجرد خيار سياسي بل أصبحت في صميم الشرعية القانونية التي تمنح الشعوب حقها في تقرير مصيرها وحقها في إنهاء أي علاقة سياسية فقدت شروطها وأصبحت قائمة على الإكراه أو الإقصاء
وبذلك يغدو (فكّ الارتباط) بين الشمال والجنوب نتيجة طبيعية لمسار تاريخي وقانوني انقلبت فيه الوحدة إلى نقيضها وتحول فيه الاتفاق إلى حالة من الإخلال وأصبح الجنوب أمام حق واضح ومشروع في أن يستعيد دولته ويعيد بناء مؤسساته وفق الإطار الذي يحفظ كرامته وسيادته وحقوق شعبه.