لغة "الأمر الواقع" أصبحت اليوم هي اللغة الحاكمة في تقارير مراكز الأبحاث الغربية التي توجه سياسات البنتاغون. فالباحثون هناك لا يظهرون في الإعلام، بل يكتبون أوراق سياسات تُرفع مباشرة لصناع القرار.
تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وغيرها تكرر توصيفاً واضحاً: القوات الجنوبية، من نخبة وأحزمة، هي الشريك الأكثر فاعلية في مكافحة الإرهاب ومواجهة الحوثي، مقارنة بقوات الشرعية المترهلة التي فشلت في ضبط الأرض. بالنسبة للعقلية العسكرية الغربية، من يفرض الأمن هو الشريك، مهما كانت رايته السياسية.
ومع التحول الكبير في أولويات أمن البحر الأحمر بعد هجمات الحوثي 2024–2025، لم يعد السؤال في واشنطن ولندن: من يحكم في عدن؟ بل من يستطيع قطع خط الصواريخ والتهريب. وكل التقارير تؤكد أن التهريب يمر عبر وادي حضرموت ، وأن المنطقة العسكرية الأولى لم توقف شحنة واحدة. لذلك حينما أعلن الانتقالي قدرته على إغلاق هذا الخط لم يواجه ضوءاً أحمر فعلياً وحصل على ضوء أخضر غير معلن .
الأمر الآخر الذي يتجاهله كثيرون: الولايات المتحدة وبريطانيا تتعاملان أصلاً مع وحدات مكافحة الإرهاب الجنوبية بشكل مباشر، من تدريب وتنسيق معلوماتي ودعم لوجستي. أي أن الشراكة الأمنية مع الجنوب قائمة منذ سنوات، وتمددها إلى وادي حضرموت هو مسألة قدرة وتوقيت فقط.
أما حديث المبعوثين الدوليين عن "هيكلة القوات"، فهو في جوهره دعوة غير مباشرة لإخراج القوات الشمالية من الجنوب، لكن بلغة ناعمة تخشى الفراغ. هذه الحجة تسقط تماماً إذا ملأ الجنوب هذا الفراغ بقوات نخبوية منضبطة أثبتت نجاحها في شبوة وعدن وأبين .
خلاصة المشهد: الغرب بوجهه الدبلوماسي يتمسك بشعارات الشرعية الورقية، لكنه بوجهه العسكري والاستخباراتي يبحث عن شريك قادر على ضبط الأرض ومنع التهريب وحماية الملاحة. لن يفرشوا السجاد الأحمر لأي قوة جنوبية تدخل سيئون، لكن إذا فُرض الأمن على الأرض، سيتعاملون معها مباشرة في اليوم التالي كأمر واقع مقبول .
بقلم / محمد علي رشيد النعماني