عدنان زين خواجه
يعيش الجنوب اليوم لحظة فارقة في تاريخه الحديث، تتوالى فيها الانتصارات العسكرية والأمنية بخروج قوات المنطقة الأولى وتحرير الوادي والصحراء والمهره من معسكرات كانت شكلياً تتبع الشرعية، لكنها عملياً فتحت طوال سنوات ثغرات خطيرة سهّلت عمليات تهريب السلاح والطائرات المسيّرة وربما ما هو أبعد من ذلك.
هذه الانتصارات لم تكن مجرد تحولات عسكرية، بل اعتبرتها المحافظات الجنوبية تحريراً سيادياً وإغلاقاً لأكبر بوابات الفساد والنهب المنظم لثروات الجنوب.
غير أن هذا المشهد المبهج لا يكتمل… فبينما يرفع المواطن أعلام النصر، تعصف به أزمات يومية تتطلب تغييراً عميقاً في إدارة مؤسسات الدولة، حتى يتحقق الاستقرار الاقتصادي والمعيشي الذي يستحقه.
أولاً: الخدمات… معركة لا تقل أهمية عن التحرير
الكهرباء: جرح مفتوح في قلب المواطن
أزمة الكهرباء اليوم تتصدر معاناة الجنوبيين، خصوصاً في محافظات لحج وأبين وأغلب المحافظات التي تعيش انقطاعاً شبه كلي، وفي عدن التي لا تزال الخدمة فيها محدودة ومتذبذبة.
هذه الأزمة لم تعد موسمية أو طارئة؛ بل تحولت إلى عائق يومي ينهك المواطنين ويؤثر على حياتهم وصحتهم وأعمالهم، ويضع القيادة أمام مسؤولية الإسراع في اتخاذ قرارات جريئة لإصلاح هذه المنظومة المتهالكة.
أزمة الغاز المنزلي… معاناة مفتعلة؟
تزامناً مع الانتصارات، تفجّرت أزمة الغاز المنزلي بطريقة مربكة.
طوابير طويلة، أسعار مرتفعة، واختفاء مفاجئ للمادة… رغم إعلان السلطات سابقاً عن وجود مخزون استراتيجي يكفي لثلاثة أشهر.
هنا يبرز سؤال الشارع:
من يريد وأد فرحة الجنوبيين؟ ومن يدير هذه الأزمات ويختار توقيتها؟
الشعور العام أن هناك أطرافاً لا ترغب في استقرار الجنوب ولا في تعزيز ثقة المواطن بقيادته الجديدة.
ثانياً: التغيير الإداري… ضرورة لا رفاهية
اليوم، وبعد التحرير، لم يعد كافياً الخلاص من النفوذ العسكري القديم فقط؛ فخدمات المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح المرحلة.
إن تغيير القيادات الفاسدة أو العاجزة، وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، بات أمراً ضرورياً لاستعادة الثقة الشعبية.
على كل مسؤول –مدنياً أو عسكرياً– إدراك أن الجنوب أمام مرحلة “نكون أو لا نكون”، وأن المواطن ينتظر خطوات ملموسة تُظهر أن التحرير العسكري يوازيه تحرر إداري واقتصادي.
ثالثاً: ملف الثروات النفطية… أهم معارك السيادة
تحقيق الاستقرار الجنوبي يبدأ من سؤال كبير وشفاف:
ما حجم ثروات الجنوب؟ ومن يديرها؟ ولمن تذهب عوائدها؟
على مدى سنوات، كانت حقول النفط والغاز تُدار في الظل، بينما تدفقت عوائدها إلى جيوب نافذين وتجار حروب.
المرحلة الحالية تتطلب:
حصر عدد الحقول والمواقع المنتجة.
معرفة كميات الإنتاج الفعلية والمخزون الاحتياطي.
كشف الشركات المتعاقدة ومسارات الإيرادات.
جمع كل الوثائق التي توضّح مسار العوائد خلال السنوات الماضية.
هذه الوثائق ستكون الأساس للتحرك القانوني دولياً لاستعادة ما نُهب من ثروات الجنوب عبر القنوات والمحاكم المختصة، فاسترجاع الحقوق يتطلب أدلة واضحة لا يمكن الطعن فيها.
رابعاً: ضبط الإيرادات… حماية ركائز الدولة
من الضروري إعادة هيكلة المؤسسات الإيرادية كافة، وحصر إيراداتها الفعلية، سواء كانت في المنافذ أو الضرائب أو الجمارك أو القطاعات النفطية، لضمان عدم تسرب أي جزء منها نحو الفساد.
إغلاق منافذ الهدر المالي هو أول خطوة لتمويل الخدمات التي يتطلع إليها المواطن.
ختاماً: الجنوب أمام فرصة تاريخية
إن المتغيرات الأخيرة منحت الجنوب فرصة نادرة لإعادة بناء مؤسساته على أسس صحيحة.
لكن هذه الفرصة ستضيع إن لم يلمس المواطن فرقاً حقيقياً في حياته اليومية، سواء في الكهرباء أو المياه أو الغاز أو الأمن أو الخدمات الإدارية.
المطلوب اليوم قيادة شجاعة تقود مرحلة التعافي، وإدارة مسؤولة تعيد الاعتبار للدولة، وتُثبت للعالم وللجوار أن الجنوب قادر على النهوض، وأنه يتعافى من سنوات الظلم والنهب ويستعيد موارده وكرامته.
الانتصار الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أنه يعيش في وطن يحفظ حقوقه، ويصون ثرواته، ويضع مصلحته فوق كل اعتبارات.