آخر تحديث :الجمعة-27 فبراير 2026-07:12م

علمنة الثورات وتراجع العلمانيين؟!

الثلاثاء - 09 ديسمبر 2025 - الساعة 05:41 م
حيدره محمد

بقلم: حيدره محمد
- ارشيف الكاتب


/حيدره محمد بسيول


تنازع الهيمنة على الخطاب السياسي للثورات كان باديآ منذ اللحظة الأولى للتظاهرات والأحتجاجات،وإن كانت الأسلمة هي المهيمنة على الخطاب،ولكن(علمنة الثورات)كانت قائمة ومستقلة بذاتها عن الخطاب السياسي الديني،وأن تحالف العلمانيين مع الإسلاميين في بادئ الأمر،إلا أن خلافهم الفكري والسياسي شكل نقطة الإفتراق بين الفريقين المتحالفين ظاهرآ والخصوم باطنآ..وإن كان نصيب الإسلاميين أوفر من المغانم الثورية.


بيد أن دور العلمانيين الرئيس في الثورات كان بارزا في حراكهم السياسي من خلال منظمات المجتمع والمنظمات المدنية والمستقلة،والتي كان خطابها العلماني وإلى حد كبير أقرب للصوابية السياسية وقتها منه من خطاب الإسلاميين،وهنا يبرز جوهر الخلاف الأصيل بين الإسلاميين والعلمانيين،وألا وهو عدم إستيعاب الفريقين لجوهر الخلاف ذاته،وفي حين أن الإسلام كان أبعد من الاسلاميين،وفي حين كانت العلمانية أبعد من العلمانيين..وهذا يحيلنا مجددا إلى مكمن الإشكالية لدى سائر تيارات العمل العام والأحزاب والتنظيمات والحركات السياسية العربية،وألا وهو أزمة العقلية العربية.


فلا الإسلاميين نجحوا نتيجة إشكالية خطابهم وشراكتهم مع الأنظمة الحاكمة،ولا العلمانيين صعدوا نتيجة عدم إستيعابهم لعلمانيتهم،ولعدم تقديمهم لخطاب سياسي علماني جاد ينالوا من خلاله ثقة الشعوب والجماهير،وطالما أن العقلية السياسية العربية لا تزال بعيدة كل البعد عن الأولويات والمتطلبات المعاصرة،فلا غرو أنها ستظل كما هي مالم تقدم على التحديث والتجديد..وفي حين أن العلمانية بمبادئها كعلمانية لا تصطدم مع الإسلام مطلقا،والإسلام في حقيقته كذلك،وما غفل عنه الإسلاميون والعلمانيون جميعا أن هناك نص في محكم التنزيل يقول(خذ العفو وأمر بالعرف).


والعرف هو مجموعة القوانين القبلية السائدة وقتها في زمن النبي محمد..وهو ما يتقابل منطقيا وموضوعيا مع العلمانية كنظام إجتماعي يتبنى المساواة والعدالة،والعرف في مجموعة كان يعبر عن القوانين الإجتماعية التي كانت في ذلك الزمان،والتي لا علاقة لها بالدين تمامآ مثلما يدعي العلمانيين،ولا جرم أن الإسلاميين في عنتهم،والعلمانيين في عنتهم لن يخلصوا إلى هذه الحقيقة،واللغة الطاغية التي تفرقهم أكثر مما تجمعهم هي لغة الخلاف والإقصاء.


ولكن السؤال ونحن نحاكم العلمانيين،ونحاكم دورهم في ثورات الربيع هو لماذا أخفقوا في الثورات،ولماذا كانوا عاجزين تمامآ عن تقديم أنموذج سياسي ملتزم يستطيع أن يحافظ على توازن خطاب الثورات،وبما يضمن توازن عملية المشاركة السياسية مع الإسلاميين الصاعدين،وهو مالم يحدث بطبيعة الحال..والجواب أخفق العلمانيين لأنهم لم يكن لهم دور مؤثر في الشارع لا من قبل اندلاع الثورات،ولا من بعدها،وكان دورهم يقتصر على المنتديات،وفي أروقة منظمات المجتمع المدني،وكما وإن للتطرف الديني دور بالغ في تطويق نشاطهم وعملهم العام،وهو ما أدى إلى إنحسار خطابهم،وإن شاركوا في الثورات وبقوة.


ومن ناحية أخرى فإن الأحزاب اليسارية بشقيها الاشتراكي والشيوعي،واليسار الثوري،بدوا وكما ولو أنهم غرباء عن مشهد الثورات،ولعل غربتهم السياسية تلك ترجع لأسباب عديدة،ولعل من أهمها أن توجهاتهم العلمانية لم تنضج إبان أوج قوتهم قبيل وبعيد حركات التحرر من الاستعمار،ومن أهم تلك الأسباب أيضآ تاريخ القمع الذي تعرضوا له بعد سيطرة أنظمة العسكر،والتي كانت أنظمة عسكرية يسارية،وبل أنظمة عسكرية يسارية متطرفة..وهو ما أنتج يسار عربي مأزوم ومهزوم في أغلب المراحل والتحولات.


وإن شعر العلمانيين بأنهم كانوا أكثر تعبيرا من الإسلاميين عن القضايا التي تمس مركز اهتمامات الناس وتطلعاتهم،وكان لهم السبق الفكري المتبني لتلك القضايا،ولكن ومثلما قلنا إن السبب يعود لخطابهم النخبوي،والذي لم يكن تواصله كافياً مع الجماهير،وان اتاحت له السلطات الحاكمة مساحة ليست بالقليلة في أعلامها الرسمي نكاية بالإسلاميين،وذلك في العقود الأخيرة التي سبقت الثورات..ومع كل ذلك فإن المحصلة الكاملة للثورات قد أنتجت تحديات مضاعفة وأكبر من الخطاب الراهن للإسلاميين وللعلمانيين.


غير أن ربيع الثورات قد أنتح تيار علماني عربي معاصر،نستطيع أن نقول بأنه يعيد عن هزائم اليساريين وأزماتهم،وفي نفس الوقت اقرب ليسار علماني جاد،ومابين العلمانية كنظام سياسي مجتمعي،وما بين اليسار كفكر سياسي يجنح لمبادى العلمانية والجمهورية هناك بون شاسع من التناقضات والتباينات في واقع مجتمعاتنا العربية..والتي تحتاج لمعركة وعي طويلة،وقد تمتد لعقود إذا ما أرادت أن تغير من واقعها ومصيرها.


وكلما جنح السياسيون العرب للمدنية ولمبادئ العدالة الإنتقالية،ورفعوا من سقف طموحاتهم إلى الحد الذي يحقق أكبر أقدر ممكن من العدالة والمساواة،وبمختلف أفكارهم ومعتقداتهم وإتجاهاتهم الدينية والعلمانية،فإنهم سيكونوا على أعتاب الخلاص من نير الاستبداد والقمع والدكتاتورية المقيتة..وما دون ذاك المزيد من الخراب والهلاك،وما دون ذاك سيبقى العرب في ملهاتهم.؟!