منذ الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، ظل المشهد اليمني غارقاً في جدل واسع حول شرعية هذا الكيان ومركزه القانوني، إذ يرى منتقدوه أن المجلس لم يكن ثمرة مسار دستوري سليم ولا نتيجة توافق داخلي، بل جاء بتنسيق مباشر من دول التحالف التي رسمت تركيبته وحددت أدواره بما يخدم توازنات إقليمية لا علاقة لها بإرادة اليمنيين، والدليل ـ بحسب وصفهم ـ إدخال مكونات سياسية وعسكرية لم تتأسس داخل الدولة اليمنية وإنما أنشئت بدعم خارجي منذ 2015، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً وتشكيلات طارق صالح، بينما فرضت الحرب وجود الحوثيين كطرف واقع بقوة السلاح.
ويؤكد هؤلاء أن الدستور اليمني يشترط لانتقال السلطة وجود مؤسسة منتخبة أو نائب للرئيس أو استفتاء أو تفويض برلماني فعلي، بينما ما حدث لم يكن سوى إعلان خارجي لا يستند إلى أي آلية دستورية، ولم يمر عبر صناديق الاقتراع ولا الإرادة الشعبية، الأمر الذي يجعل المجلس سلطة فوقية صُنعت خارج الحدود.
وما يعزز هذا الانطباع مشهد عودة رشاد العليمي إلى عدن وسط حماية سعودية وأجنبية، في لحظة رأى فيها كثير من اليمنيين أن الشرعية باتت معلّقة على الخارج، وأن الداخل غائب عن مفاصل القرار، خصوصاً في ظل اعتماد المجلس على "غطاء" برلماني يعاني من موت سياسي كامل، إذ لم يُنتخب البرلمان منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم يمارس صلاحياته الطبيعية، وحتى الجلسات التي عُقدت في سيئون وعدن تمت تحت حراسة أجنبية، ما جعله في نظر منتقديه مؤسسة شبه شكلية تُستدعى فقط لخدمة ترتيبات سياسية مفروضة وليست نابعة من الإرادة الوطنية.
كما أن بقاء القيادة اليمنية خارج البلاد لسنوات طويلة يفقدها صلتها بالشعب ويجعل أي حديث عن شرعية تمثيلية مجرد شعار، فكيف لقيادة لا تشارك اليمنيين خوفهم وجوعهم وحصارهم وانقطاع خدماتهم أن تدّعي تمثيلهم؟ وكيف يمكن لمن يقيم في الخارج أن يفهم متطلبات الداخل أو أن يقود شعباً لا يعيش بينه؟ كما من الواضح أن أحداث سيئون والمهرة مثالاً صارخاً على ارتهان القرار اليمني للخارج، إذ اضطر أطراف المجلس ـ بحسب ما يُتداول ـ إلى استدعاء الوساطة السعودية لحل خلافاتهم، في مشهد يعكس هشاشة استقلالية القرار، ويفتح الباب أمام سؤال مباشر: إذا كانت القيادة لا تستطيع إدارة خلافاتها دون الكفيل، فكيف ستُدار الدولة؟ ولذلك فإن المجلس و اليمن بكل تشكيلات الدولة القادمة لن يجد طريقه إلى الاستقرار ما دامت شرعيته تتشكل في غرف خارجية، وأن أي سلطة تقوم على دعم إقليمي لا على دعم شعبي ستبقى رهينة لتوازنات الدول التي صنعتها وهذا إرث تاريخي قديم عرفته الأمم خلال مراحل الصراع وتكوين الدول، بيد ان أحلام اليمنيين الذين دفعوا ثمن الحرب وحدهم واصبحوا مرتهنين لمرتزقة خاليين الوطاف من اي خدمات أساسية أو رواتب تسد جوعهم وعطشهم.
ببساطة الشرعية اليمنية اليوم ليست بياناً يعلَن ولا مجلساً يُنصَّب، بل علاقة عضوية بين الحاكم والشعب، بين السلطة والأرض، بين القرار والسيادة، وأن غياب هذه العلاقة هو ما أوصل البلاد إلى وضعها الراهن، حيث تتنازعها القوى الإقليمية والدولية كمساحة نفوذ لا كدولة ذات سيادة.
ولذلك فإن الأزمة لا تكمن فقط في تشكيل مجلس القيادة، بل في طبيعة العملية السياسية برمتها وحالة مابعد الحرب، وفي الاعتماد المزمن على الخارج بديلاً عن الإرادة الوطنية، وفي استمرار المشهد السياسي القائم على الارتزاق السياسي والعسكري.
ومن هذا المنطلق، استعادة الدولة تبدأ باستعادة القرار الوطني من أيدي القوى الخارجية، وأن بناء سلطة شرعية حقيقية يتطلب انتخاب من خلال برلمان تشريعي، وإطلاق مسار سياسي من داخل اليمن، وإعادة الاعتبار لصوت المواطن الذي جرى تغييبه لمصلحة ترتيبات إقليمية، لأن اليمن لا يمكن أن ينهض إلا بقيادة من الداخل، من رحم الناس ومعاناتهم وتطلعاتهم، لا بقيادة تُصنع في الخارج وتُفرض على الداخل.
وفي النهاية، التأكيد على أن المجلس الرئاسي بصيغته الحالية يمثل انعكاساً لأزمة الشرعية أكثر مما يمثل حلاً لها، وأن مستقبل اليمن لن يُكتب إلا بيد اليمنيين أنفسهم، بعيداً عن الهيمنة الخارجية وبعيداً عن مسارات فرض السلطة بالقوة أو الوصاية، فالدولة الحقيقية لا تُصنع إلا بإرادة شعبية حرة وبشرعية تولد من الداخل لا من رعاية الآخرين.