من رحمِ الصراعِ يُولَدُ صراعٌ، ومن لظى حقدِ المنهزمِ وعُنجهيةِ المنتصرِ تَتَّقدُ نارُ الحروب، ومن شَبَقِ السيطرةِ والاستحواذِ ينفجرُ بركانُ الرفضِ للإقصاءِ. وهكذا تدورُ معطياتُ الصراع؛ فكلُّ حلقةٍ تفضي إلى أخرى، وكلُّ مرحلةٍ تُؤسِّسُ للتي بعدها بالعقليةِ ذاتِها، والطريقةِ التي قبلها.
ظلَّ الصراعُ مستمرًّا بين الشمالِ والجنوبِ في ظلِّ الدولتين، وإنْ خفَّت حدّتُه؛ فلا يتجاوزُ منسوبُه درجةَ العلاقةِ الفاترةِ التي لا تُؤسِّسُ لتعاونٍ أمنيٍّ، أو تكاملٍ اقتصاديٍّ، أو تفاهمٍ سياسيٍّ يُقيمُ علاقةً متينةً تقوم على الاحترامِ المتبادَل والمصالحِ المشتركة بين الدولتين.
وظلَّ الصراعُ الشمالي–الشمالي مستمرًّا في الشمال، بسبب هيمنةِ أقليةٍ مذهبيةٍ هي الأقلُّ سكانيًّا من حيث العدد، وجغرافيًّا من حيث المساحةِ والأهميةِ الاستراتيجية، واقتصاديًّا من حيث الموارد الطبيعية.
أقليةٌ ترفض أيَّ تغييرٍ في منظومةِ الحكمِ أو عقليةِ الدولة منذ أكثرَ من ألفِ سنة، تخلّلتها فتراتٌ متقطعةٌ كانت أشبهَ بمحاولاتِ تمرّدٍ لتغييرِ متنِ عقليةِ الحكمِ المفروض عليها بإصرارٍ عجيبٍ منذ بداياتِ القرون الوسطى حتى زمنِ العولمةِ والذكاءِ الاصطناعي.
كما ظلَّ الصراعُ البينيُّ جنوبًا مستمرًّا منذ قيامِ الدولةِ بعد الثورة، وتوحيدِها لما كان يُعرَف بالمحمياتِ الشرقيةِ والغربية، وحضرموتَ والمهرةِ وسقطرى. وهي المهمةُ التي نجح فيها الرفاقُ في توحيدِها في دولةٍ أُطلِق عليها جمهوريةُ اليمنِ الديمقراطيةُ الشعبية. حافظ فيها الرفاقُ على النظام الإداريِّ الذي ورثوه عن البريطانيا، ومعه شيءٌ من المظاهرِ الحضاريةِ المعاصرة التي تركتها في مدينةِ عدن، أضاف إليها الرفاق فرض هيبة الدولة، والقضاءِ على الفوارقِ الطبقية بين أفراد الشعب، فتساوى الجميعُ في التأهيلِ وشغلِ الوظيفةِ العامة. وقطعوا أشواطًا في بناءِ إنسانٍ بعقليةٍ حضاريةٍ معاصرة. لكنَّ جمودَ العقليةِ السياسية وصَلَفَ الاستبدادِ الأيديولوجيِّ الذي فُرِض على النظام السياسيِّ من الخارج، وفَرَضه الحكام الجدد على المجتمع، خلق صراعًا على السلطةِ في دولةٍ منغلقةٍ بعقليةٍ سياسيةٍ أحادية. لم يكتفِ النظامُ بفرضِ الأيديولوجيا السياسية كنظامٍ للحكم، بل جعلها أساسًا فكريًّا وثقافيًّا على أنقاضِ الهويةِ الثقافيةِ الأصلية ذاتِ الصبغةِ المتنوعة التي تميّز كلَّ طيفٍ اجتماعيٍّ عن غيره في عاداتهِ وتقاليدهِ وطريقةِ تفكيره. لم يُدرِك الحكّامُ الجددُ، في عنفوانِ حماسِهم وحماقتهم، أنهم يحكمون بلدًا بهويةٍ ثقافيةٍ تقفُ على الطرفِ النقيضِ لأيديولوجيا الدولة التي حاولوا فرضَها كهويةٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ بديلة، لثقافةٍ أصلية متجذّرةٍ قادرةٍ على إعادةِ إنتاجِ نفسِها وفرضِ شروطِها في كلِّ مرة.
أقام الرفاقُ بناءً قويًّا، لكنَّه بلا منافذَ للهواء؛ فلم يَقوَ على مقاومةِ ضغطِ الخلافاتِ السياسية التي كانت تضربُ جزءه الأعلى، ولا الهزّاتِ الارتداديةِ التي تهزّه من الأسفل، مما أدّى إلى الانفجارِ الأخيرِ الذي قوّض البناءَ برمّته، فسقطت جدرانُه على رؤوسِ ساكنيه.
وهكذا ظلَّ الصراعُ هو الثابتَ في حياةِ اليمنيين؛ فلم تستقرَّ هذه البقعةُ، دون غيرِها من محيطها الجغرافي، ولم تتمكّن من إقامةِ دولةٍ على أساسِ المواطنة، بعقدٍ سياسيٍّ جديد، وعقلٍ سياسيٍّ رشيد، يقوم على مفاهيمَ عصريةٍ للحكم، وأدواتٍ حضاريةٍ للتنافس، تُسهم في خلقِ مناخٍ سياسيٍّ يقوم على تكافؤِ الفرص، وضمانِ المشاركة، وحريةِ التعبير، واحترامِ الخصوصياتِ الثقافيةِ للمكوّناتِ الاجتماعيةِ والدينيةِ والفكرية. فبدون هذه الشروط سنظلُّ نعيد إنتاجَ المشاريعِ ذاتِها، وبالأدواتِ نفسِها، التي تعيدُنا إلى النقطةِ ذاتِها بعد كلِّ جولةٍ من جولاتِ الصراع.
سعيد النخعي
عدن 9/ديسمبر/2025م