آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-05:55م

بين الوهم الاعلامي والواقع السياسي..!!

الأربعاء - 10 ديسمبر 2025 - الساعة 07:14 م
عبدالكريم باسويد العولقي

بقلم: عبدالكريم باسويد العولقي
- ارشيف الكاتب


✍🏻عبدالكريم باسويد


قراءة تحليلية في المشهد اليمني الراهن


يذهب بعض المراقبين إلى القول إن الجنوب اليمني مقبل على صراع بين قوى إقليمية متنافسة، مستندين إلى ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية التي تستثمر في الضباب والتهويل. غير أن قراءة دقيقة للواقع السياسي والعسكري تكشف أن هذا الطرح أقرب إلى الانطباع المُصنّع منه إلى الحقيقة، وأن الجنوب يسير في مسار واضح وثابت، بعيدًا عن سيناريوهات الفوضى التي يحرص خصومه على ترويجها.


1. الجنوب ومهمة تفكيك فلول تنظيم الإخوان


منذ السنوات الماضية، يسلك الجنوب طريقًا منظّمًا لإزالة نفوذ تنظيم الإخوان العالمي داخل أراضيه. هذا التوجّه لا يأتي معزولًا، بل ينسجم مع مزاج دولي يتجه إلى تقليص نفوذ هذا التنظيم، كما ظهر في التصريحات الأمريكية — ومنها تصريحات دونالد ترامب بشأن إخوان السودان وموقفه من حكومة البرهان — بالإضافة إلى الاصطفافات الإقليمية التي أصبحت أكثر وضوحًا في مواجهة التنظيم.


الجنوب اليوم يتحرك في بيئة دولية وإقليمية ترى في تفكيك هذا التنظيم شرطًا للاستقرار، ما يجعل خطواته المنسّقة جزءًا من سياق أوسع، لا عملاً محليًا منفردًا.


2. الجنوب: موقع استراتيجي يحتم الاستقرار لا الفوضى


يحمي الجنوب أهم الممرات البرية والمنافذ البحرية، سواء ضمن دعم إقليمي أو عبر قدراته الذاتية. وهذا يجعل استقرار الجنوب ضرورة استراتيجية للقوى الدولية والإقليمية، وليس ساحة لتصفية الحسابات.


فمن غير المنطقي أن تتصارع القوى الإقليمية في منطقة تشكّل بوابة أساسية للتجارة العالمية، وحلقة اتصال بين بحار العالم، وممرًا حساسًا في جغرافيا الطاقة والملاحة.


3. سلاح الإعلام… وقلب الحقائق


يمتلك تنظيم الإخوان شبكة إعلامية واسعة ومتجذّرة، تعمل على قلب الحقائق وصناعة روايات موازية، مستخدمة الأدوات ذاتها التي تحدث عنها القرآن:

«وَقَلَبُوا لَكَ الْأُمُورَ…»، «وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ»، «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ… يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ».


وإذا كان هذا النوع من الإعلام قد نجح في التأثير على مجتمعات قوية الإيمان في زمن الرسالة، وكان توجيه القرآن ميزان ان لايتاثر المؤمنين بأراجيفهم.. فمن الطبيعي أن يكون تأثيره اليوم أشد وامضى في ظل الفوضى الرقمية وغياب الضوابط.

السودان مثال واضح: تمكّن الإعلام الاخوانب من إشغال الداخل والخارج وصناعة مشهد معقّد رغم أن الحقائق على الأرض كانت أبسط مما صُوِّر.


4. خصوصية الجنوب: إزالة السبب قبل ظهور العرض


على خلاف السودان، فإن الجنوب أزال جذور الفوضى عبر تفكيك بؤر التنظيم وميليشياته، وآخرها في معسكر عرين بشبوة، ثم تحرير وادي حضرموت، والتوجه نحو المهرة. وهذه التحركات ليست مجرد عمليات عسكرية، بل إعادة بناء شاملة للهياكل الأمنية والسيادية.


لذلك، ما يتم تداوله عن صراع إقليمي في الجنوب غالبًا يأتي من السوشيال ميديا، لا من الوقائع الميدانية. وحتى لو ظهرت مؤشرات اختلاف بين القوى الإقليمية، فهي – غالبًا – تبادل أدوار منسّق للحفاظ على خطوط الملاحة ومنع تسلل الميليشيات أو عناصر التنظيم، وليس صراعًا وجوديًا.


5. هل توجد نظرية مؤامرة؟ أم مؤامرة إعلامية فقط؟


من المنطقي الاستناد إلى ما يصدر عن المصادر الرسمية، لا إلى روايات أطراف لها مصلحة في تضخيم المشهد. فافتراض وجود صراع إقليمي كبير داخل الجنوب يتجاهل هدفًا بديهيًا: هذا الصراع لا يخدم أحدًا — لا الجنوب، ولا القوى الإقليمية، ولا الممرات الدولية.


القوى الإقليمية تدرك أن الجنوب اليوم هو خط الدفاع الأول عن الملاحة والحدود، وأن أي صدام بينها لن يحقق سوى مكاسب لأطراف فوضوية مثل الحوثي وتنظيم الإخوان وتفريعاته.


خلاصة القول


الجنوب لا يتجه نحو أن يكون ساحة صراع، بل العكس تمامًا:

إنه يتحول إلى نقطة توازن واستقرار إقليمي، وإلى نموذج لإزالة بؤر الفوضى قبل استفحالها. وما يُشاع عن صراع إقليمي داخله أداة إعلامية تستغل هشاشة الوعي العام، وليست قراءة واقعية للميدان.


صناعة الضوضاء شيء… والواقع شيء آخر.