آخر تحديث :الخميس-02 أبريل 2026-04:06ص

الحب الفاضح والعشق الغامض في قصيدة اهلا بمن سلم .

الأربعاء - 10 ديسمبر 2025 - الساعة 09:48 م
مازن حنتوش

بقلم: مازن حنتوش
- ارشيف الكاتب


كتب / مازن علي حنتوش


أهلاً بمن سلّم للكبشي والمرشدي تُعدّ هذه القصيدة المغناة بصوت الفنان الراحل محمد مرشد ناجي، نموذجًا ساطعًا للشعر الغنائي اليمني الذي يجمع بين العذوبة الحسية والعمق الروحي ويستخدم لغة يومية شفافة تُخفي وراءها طبقات من المعاني إنها رحلة عاطفية تبدأ بالدعوة وتنتهي بالاستسلام الجميل للمحبوب متخذة من المشهد الطبيعي إطارًا لعلاقة إنسانية تتجاوز حدود الواقع .

حيث البدأ بالترحيب والتلبية

بفعلين أساسيين التحية والدعوة، وهما يمثلان نقطة الانطلاق في القصة الغنائية

حيث تقول في مطلعها .

أهلاً بمن سلّم .. علي وحيا

وأشر عليّ بيده .. وقال هيا

فقلت له لاينه .. أجاب معيا

حيث يلتقي الأحباب وسط جنة الله

هنا الشخصية المحبوبة المنادى هي المبادر وهي تحمل صفة الجاذبية القوية أشر عليّ بيده .. وقال هيا . الردّ من العاشق هو سؤال عن الوجهة ("لاينه") لكن الإجابة تأتي موحية وغامضة حيث يلتقي الأحباب وسط جنة الله .

هذا الوصف يحوّل اللقاء العاطفي من مجرد موعد إلى تجربة مقدسة أو مثالية جنة الله" ليست بالضرورة المكان الأخروي، بل هي كناية عن المكان الطاهر والموعود بالبهجة والصفاء حيث تتحقق الرغبة بعيدًا عن رقابة المجتمع أو القيود الدنيوية بهذا الوعد هو ما يدفع العاشق إلى التلبية الفورية فقمت له مسرع وسرت جنبه .

الهمس والأسرار التخفي والتمويه في المقطع الثاني يتكثف المشهد العاطفي وتظهر ملامح الخوف من الرقيب الاجتماعي .

وامسكت في ثوبه فمد كفه

فقلت للمه .. أجاب شفه

لا احد عيبصرنا عليك بالله

بين السبول الخضر والطير يسجع .

استخدام الشاعر محمد الكبشي الحركة هنا جسدية حميمية (الإمساك بالثوب، مدّ الكف). لكن أهم ما يميز هذا الجزء هو سعي المحبوب للحماية والتخفي ("أجاب شفه"، "لا احد عيبصرنا"). لاحظ كيف استطاع الشاعر في هذا البيت الاعتراف يضع العلاقة ضمن إطار الممنوع الجميل أو اللقاء السري الذي يمنحه جمالاً إضافيًا خاصةً وأن هذا اللقاء يتم وسط الطبيعة الخلابة بين السبول الخضر والطير يسجع مااروع الطبيعة هنا شاهد صامت، وهي ملاذ آمن بعيدًا عن عين الإنسان .

صراع الإلحاح والانتظار (الاحتواء والخوف)

حيث يصل التوتر العاطفي إلى ذروته عندما يحاول العاشق تقصير المسافة فيطلب المحبوب التمهل حيث قال

لويت على خصره فقال لي اهجع

عاد الهوى بادي للمه بتسرع

اخاف عتقنع وتستغفر الله

فعل "لويت على خصره" هو ذروة الجرأة الجسدية والرغبة المباشرة اللا ارادية . يأتي رد المحبوب بطلب الهدوء والانتظار ( اهجع"، "للمه بتسرع )، لا رفضًا للحب، بل خوفًا من الاستنزاف العاطفي والافراط أو الندم الروحي ( اخاف عتقنع وتستغفر الله ). هذا الخوف يضيف عمقًا للشخصية المحبوبة، التي تبدو واعية لشدة مشاعر العاشق، وتخشى أن تؤدي هذه الشدة إلى الانسحاب أو التوبة بعد الفرحة. هذا التمهل هو لضمان بقاء الحب واستدامته .

التعلق الروحي (التقديس والاحتجاج) يتحول الحوار إلى مستوى روحي وديني مجازي حيث يدافع العاشق عن صدق تعلقه حيث قال الشاعر محمد الكبشي .

كيف الفؤاد يقنع .. وبك تهجد

وأنت محرابه وفيك تعبد

للمه يا روحي .. عليّ باتحتد

لانته تشاء هجري .. رقيبك الله

الى هنا تظهر براعة الكبشي في دمج المفردات الدينية في سياق الغزل العفيف. العاشق يرفع من مكانة المحبوب إلى مستوى العبادة والتقديس المحبوب هو "المحراب" الذي يتجه إليه القلب بالعبادة و"التهجد" تشبية الشاعر (القيام ليلاً للصلاة). هذا التشبيه يعني أن الحب ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو جزء أصيل من الإيمان الداخلي والوجود وفي نهاية المقطع يتحول العاشق إلى المحتج والمستعين بالله ضد هجر محبوبه .

حيث قال الشاعر ”لانته تشاء هجري .. رقيبك الله“. إنه استنجاد بالمقام الأعلى ليكون شاهدًا على صدق الحب وجور الهجر.

القسم والالتزام الأبدي (الوفاء النهائي)

تُختتم القصيدة بالقسم والوعد، وهو إعلان نهائي لا رجوع فيه للاستسلام الجميل والوفاء المطلق .

حيث قال الشاعر العبقري

والله القسم وبالعيون جمعه

لاسير أنا بعدك والناس بهجعة

مابو سواك والله للقلب مرعى

جي عنتجابر والأمر لله

القسم بـ "العيون" (جمعه) هو قسم عميق، فالعيون هي مرآة الروح وشاهدة الحب الصادق . الوعد هو بالمتابعة الدائمة "والناس بهجعة"، أي في أوقات الغفلة والسرية، تأكيدًا على أن هذا الحب لا يخشى الظلام بل يتخذه ستارًا لصدقه التعبير الأقوى هو "مابو سواك والله للقلب مرعى" المحبوب هو الأرض الخصبة الوحيدة التي يرتوي منها القلب أي أنه مصدر الحياة والوجود.

وفي الختام يأتي باستدعاء المحبوب للوصال ( "جي عنتجابر" ) ووضع مصير العلاقة كله تحت مظلة القضاء الإلهي "والأمر لله". هذه الجملة ليست تبريرًا، بل هي تطهير للرغبة العاطفية، حيث يتم ربط إرادة العاشق بالإرادة العليا، مما يمنح هذا الحب شرعية وقبولاً روحيًا.

لخص الشاعر قصيدتة

بالمزاج بين العامية والفصحى استخدام مفردات عامية يمنية (لاينه، للمه، اهجع، عيبصرنا) يمنحها حرارة وتلقائية، بينما ترفعها المعاني الروحية إلى مستوى الشعر العميق .

التصوير الحسي والمجازي الانتقال السلس من اللمس الجسدي (الإمساك بالثوب، اللوي على الخصر) إلى التقديس الروحي (المحراب، التهجد).

استخدم الشاعر ثنائيات القصيدة مبنية على ثنائيات الدعوة/التلبية، السرعة/التمهل، الجرأة/الخوف، الرغبة/التقديس. هذه الثنائيات هي التي تخلق التوتر الدرامي في النص.

إن "أهلاً بمن سلّم" هي قصيدة عن البحث عن الكمال والصفاء في الحب ، وتصوير اللقاء العاطفي على أنه خروج من العالم المعتاد إلى "جنة الله" الخاصة التي لا يراها أحد سوى العشاق . وببراعة الفنان الراحل محمد مرشد ناجي اعطاها حقها في الاداء والالحان الفضيع فكانت اغنية ذات رواج كبير في اليمن والخليج .