علي بن شنظور:
تعيش الساحة الجنوبية مرحلة حسّاسة تتقاطع فيها التحولات الميدانية مع التعقيدات السياسية، في وقت فرضت فيه المكاسب العسكرية الأخيرة في حضرموت والمهرة وعلى حدود شبوة–مأرب واقعًا جديدًا رفع سقف الطموح الشعبي، ومنح المجلس الانتقالي الجنوبي قوة تأثير غير مسبوقة منذ عقود. غير أن هذه القوة، رغم أهميتها، وضعت الجنوب أمام سؤال جوهري: هل الظروف مهيأة اليوم لإعلان الدولة، أم أن الاستعجال قد يعرّض المنجزات للخطر؟
فالواقع يشير إلى أن البناء المؤسسي ما يزال غير مكتمل. فلا توجد حكومة جنوبية واضحة المهام، ولا جهاز قضائي ورقابي مستقر، ولا مجلس تشريعي قادر على أداء دوره. كما أن الحاجة قائمة لمجلس أعلى مساعد يمثل المحافظات الست، يمنح القرار الجنوبي صبغة تشاركية تطمئن الداخل والخارج بأن الجنوب القادم لن يكرر أخطاء الماضي. وإلى جانب ذلك، لا ت
زال بعض المكونات والمحافظات تنتظر ضمانات واضحة بشأن تقاسم السلطة وإدارة الثروات والصلاحيات المحلية، وهو ما يجعل إعلان الدولة قبل اكتمال الحوار الجنوبي خطوة قد تُضعف الشرعية الداخلية بدل أن تعززها.
أما الإطار القانوني الدولي فيمثل تحديًا بحد ذاته. فقرار مجلس الأمن 2216 هو المرجعية القانونية الحالية، وأي إعلان أحادي للدولة الجنوبية دون تعديل هذا الإطار سيصطدم مباشرة بحاجز الاعتراف الدولي، ويعرض الجنوب لضغوط سياسية واقتصادية معقدة.
ورغم أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية بفضل التفوق الميداني الجنوبي والمزاج الشعبي المؤيد بقوة لمشروع الدولة، إلا أن هذه الفرصة يجب إدارتها بحكمة. فالاستعجال قد يؤدي إلى ردود فعل داخلية غير محسوبة، وإلى محاولات لإثارة التوتر في محافظات ذات حساسية مثل حضرموت والمهرة وأبين. كما قد تستغل القوى المناوئة أي قصور خدمي أو اقتصادي لتأليب الشارع الجنوبي، فيما ستسعى صنعاء لاستثمار أي خطوة متسرعة للتأكيد بأنها “الممثل الشرعي الوحيد لليمن
” وتشويه المسار الجنوبي.
إقليميًا، إعلان الدولة دون تنسيق مسبق قد يؤثر على العلاقات مع السعودية والإمارات، رغم أن المتغيرات الإقليمية تشير إلى رغبة في إعادة ترتيب المشهد بما يخدم الاستقرار البحري وإمدادات الطاقة. وهذا يجعل الجنوب لاعبًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه إدارة دقيقة للخطوات القادمة.
الخيارات المتاحة أمام الجنوب اليوم ثلاثة: الإعلان الفوري للدولة، وهو خيار مرتفع الكلفة وغير مناسب في المرحلة الراهنة؛ أو قيادة مرحلة انتقالية تُستكمل فيها المؤسسات ويُبنى توافق جنوبي واسع، وهو الخيار الأكثر واقعية؛ أو إعلان مشروط ضمن تسوية سياسية شاملة برعاية دولية.
ختامًا، يرى علي بن شنظور أن الجنوب يقف أمام فرصة تاريخية، لكنها تحتاج إلى عقل سياسي هادئ، وإدارة محسوبة، واستكمال للبناء المؤسسي، حتى يكون إعلان الدولة نتيجة ناضجة تضمن الاستقرار والاعتراف الدولي، لا خطوة عاطفية تُفقد الجنوب ما تحقق من مكاسب.