آخر تحديث :الأربعاء-18 فبراير 2026-09:46م

ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس

السبت - 13 ديسمبر 2025 - الساعة 04:54 م
محمد ناصر العاقل

بقلم: محمد ناصر العاقل
- ارشيف الكاتب


جمع الحديث بين خيرين وفضيلتين لا ينالهما إلا موفق وهما محبة الله ومحبة الناس ، محبة نازلة من السماء وأخرى موضوعة في الأرض ولكن المهم معرفة السبب الذي جلب هذه المحبة للعبد المسكين وقد بيـَّنه صلى الله عليه وسلم بإيجاز لمن سأله عنه وهو له ولمن عمل بعمله الزهد في الحالين ، إذا كان الورع الكف عن المحرمات المشتهاة فإن الزهد هو الاقتصاد في المباحات لإن الإفراط في المباحات له أضرار ومفاسد تفسد بسببها الأفراد والأسر والجماعات والأمم والممالك والنظم والمشاريع والعلاقات

ومن أجل ذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الضابط والقاعدة الحياتية العامة لسلامة حياتنا من مفاسد وأضرار البحث وراء الدنيا وزهرتها ومباهجها وتقصي ملذاتها وتتبع شهواتها التي تكون في حالة إقبالها على الإنسان أخطر من إدبارها كما قال المصطفى صلى عليه وسلم " ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تـُبسَطَ الدنيا عليكم كما بَسطَت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنفسوها فتهلككم كما أهلكتهم "

وفي الزهد في الدنيا قصر للهم والتفكير والخيال والطمع الواسع الذي يصرف عن الاهتمام ببناء الشخص ذاته ومستقبله التي هي قيمة ذاتية ولا يمكن صناعتها بجلب المزيد من كماليات الحياة بقدر ما تصنع بصدق الهمة والعمل الدؤوب والنشاط المتواصل والوعي المتكامل وحسن السلوك وترتيب الأولويات وتنظيم برامج التطوير


وأما محبة الناس فهي تكون بالزهد عما في أيديهم وما يملكون وأحبته نفوسهم ومن نازع الناس فيما يحبونه فلن يظفر إلا بكراهيتهم ومن نافسهم فيه خاصموه وعادوه وقاتلوه وفي هذا وضع لنا الإمام الشافعي - رحمه الله - موعظة وأدبا جما في العيش في الدنيا بسلام بأبياته الجميلة الشهيرة التي يقول فيها :


ومن يعرف الدنيا فقد جربتها * وسيق إليَّ عذبها وعذابها

فما هي إلا جيفة مستحيلة * عليها كلاب همـهـن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها * وإن تجتذبها نازعتك كلابها


الدنيا مملكة الله كما أن كل شيء ملكه وهو الغني عنها كما أنه غني عن كل شيء ولا يمنع الإنسان منها إلا ما فيه فساد عليه ومضرة فإذا كان ما يمنعه الله الإنسان من الدنيا فيه صلاحه فلا أسف في أن يذهب منها المزيد


محمد العاقل