/عدنان زين خواجه
لم يكن أبناء الجنوب يتوقعون أن يتحول النصر العسكري، الذي تحقق خلال أشهر قليلة بتطهير عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة وساحل حضرموت، إلى بداية معاناة طويلة الأمد. فبعد سنوات من الصمود والتضحيات الجسيمة، وجد المواطن الجنوبي نفسه في مواجهة حرب من نوع آخر، لا تقل قسوة ولا دمارًا عن حرب السلاح، بل ربما أشد فتكًا وتأثيرًا على حياته اليومية: حرب الخدمات والمعيشة والرواتب وانهيار العملة.
من نشوة التحرير إلى واقع مرير
خرجت المحافظات الجنوبية من قبضة الغزو الحوثي وقوات عفاش، وقدّم أبناؤها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى دفاعًا عن الأرض والكرامة. غير أن تلك التضحيات لم تُترجم إلى استقرار أو تحسن في مستوى المعيشة. بل على العكس، ازداد الوضع سوءًا عامًا بعد عام، وتعمقت معاناة الناس في ظل صلف وغطرسة الحكومة والجهات المسؤولة في ما يُسمى بالشرعية، التي بدت بعيدة عن هموم المواطنين ومعاناتهم اليومية.
حرب الخدمات: كهرباء غائبة ومياه مقطوعة
تشهد المدن الجنوبية انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية. الكهرباء تغيب لأكثر من أربعين يومًا في بعض المناطق، ومعها تنقطع المياه بسبب ارتباطها المباشر بالطاقة. في عز الصيف، يتحول انقطاع الكهرباء إلى كارثة إنسانية، خصوصًا لكبار السن والمرضى، حيث تسجل حالات وفاة متزايدة نتيجة الحر الشديد وتفاقم الأمراض المزمنة.
رواتب بلا قيمة وأسعار بلا رحمة
تأخر صرف الرواتب، وعند صرفها لا تكاد تساوي شيئًا أمام الانهيار المتسارع للعملة المحلية. فقدت الرواتب قيمتها الشرائية، في وقت ترتفع فيه أسعار السلع الغذائية بشكل جنوني: الأسماك، الدواجن، البيض، الخضروات، اللحوم، وكل ما يمس حياة المواطن اليومية أصبح خارج متناول شريحة واسعة من السكان. المواطن الجنوبي بات يعمل من أجل البقاء فقط، لا من أجل العيش الكريم.
فساد ممنهج ونهب بلا رادع
في مقابل هذا الواقع القاتم، يتوسع الفساد داخل مؤسسات الدولة دون حسيب أو رقيب. تلاعب بالمناقصات، خصوصًا تلك المتعلقة بوقود توليد الكهرباء والمشاريع الخدمية، وعبث منظم بكل ما يمس حياة المواطن. أيدٍ ظالمة نهبت المال العام، بينما يعيش المسؤولون والنواب وقيادات الأحزاب في نعيم، يتقاضون رواتب ومخصصات مجزية بالدولار والريال السعودي، في ظل كرم التحالف، تاركين المواطن يواجه مصيره وحده.
حرب اقتصادية أشد فتكًا من السلاح
الحروب العسكرية، مهما كانت قاسية، قد تحصد عشرات أو مئات الأرواح، لكن الحرب الاقتصادية والخدمية الممتدة لأكثر من عشر سنوات حصدت الآلاف. فقر مدقع، جوع، أمراض، تفكك أسري، وحتى حالات انتحار، كلها نتائج مباشرة لعقاب ممنهج وسياسات فاشلة، أُقر بها علنًا في تصريحات رسمية، دون أن يترتب عليها أي تغيير حقيقي في الواقع.
الجنوب يدفع الثمن مرتين
دفع الجنوب ثمن الحرب الأولى بالدم، ويدفع اليوم ثمن الحرب الثانية بالصبر والجوع والمرض. لم يكن الجنوبيون يتوقعون أن ينتقلوا من ساحات القتال إلى معركة يومية من أجل لقمة العيش والكهرباء والماء والدواء. فالمعاناة لم تعد مجرد تذمر، بل صرخة شعب أنهكه الانتظار وخذلته الوعود.
نداء أخير
إن ما يعيشه الجنوب اليوم يتطلب وقفة جادة من الرئاسة والحكومة ومجلس النواب، وقبل ذلك ضميرًا حيًا يدرك حجم الكارثة الإنسانية. فحرب الخدمات والمعيشة أصبحت أشد فتكًا من حرب السلاح، واستمرار هذا الوضع ينذر بانفجار اجتماعي لا تُحمد عقباه. الجنوب لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه في حياة كريمة، مقابل التضحيات الجسيمة التي قدمها ولا يزال.