آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-06:45ص

فوضى!

الخميس - 18 ديسمبر 2025 - الساعة 04:18 م
علي عبدالإله سلام

بقلم: علي عبدالإله سلام
- ارشيف الكاتب


ليست الفوضى مجرد توصيف عابر لواقعٍ مرتبك، ولا كلمة تُلقى في سياق الانفعال السياسي، بل هي حالة وجودية يعيشها وطن بكامله، وتتجسّد في تفاصيل الإنسان اليومية، وفي صمته، وفي خوفه، وفي فقدانه للمعنى. الفوضى هنا ليست طارئة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الصراعات، والخيبات، والتدخلات، حتى بات الوطن نفسه غريبًا عن أبنائه، وبات أبناؤه غرباء داخله.


في هذا المشهد المعقّد، لا يبدو اليمن كدولة ذات سيادة، بل كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تُدار الصراعات بالوكالة، ويُستنزف الإنسان بلا اكتراث، وكأن دمه تفصيلٌ هامشي في معادلات المصالح الكبرى.


قبل أن تتفتّت الأرض، تفتّتت فكرة الدولة. ما يُسمّى بـ”الشرعية” لم تعد كيانًا سياسيًا موحدًا، بل تحوّلت إلى عنوان فضفاض تتنازعه الولاءات، وتتناقض داخله الأجندات. رشاد العليمي يستند إلى دعم سعودي، عيدروس الزُبيدي يستقوي بالظهير الإماراتي، وجماعة مليشاوية حوثية تستنجد بدعم إيراني مباشر أو غير مباشر. وفي خضم هذا كله، يغيب القرار الوطني المستقل، ويغيب معه مفهوم السيادة.


لم يعد اليمن هو مركز القرار، بل أصبح هامشًا في دفاتر الآخرين. تُرسم ملامح مستقبله خارج حدوده، وتُتخذ القرارات المصيرية باسمه دون حضوره. الوطن هنا ليس فاعلًا، بل مفعولًا به، وليس شريكًا في الحل، بل ضحية دائمة للصراع.


الأزمة ليست فقط في تعدد القوى، بل في غياب المشروع الوطني الجامع. لا توجد رؤية واضحة تُعيد تعريف الدولة، ولا عقد اجتماعي جديد يُنقذ ما تبقى من الثقة بين المواطن والسلطة. كل طرف يتحدث بإسم الوطن، لكن الوطن نفسه غائب عن الخطاب، غائب عن السياسات، غائب عن الأولويات.


تحوّل الصراع من معركة لإنقاذ الدولة إلى سباق على النفوذ، ومن محاولة لبناء وطن إلى محاولة للسيطرة على ما تبقى منه. ومع كل جولة صراع، يخسر اليمنيون جزءًا جديدًا من أملهم، ومن قدرتهم على الحلم بدولة عادلة، مستقرة، وقادرة على الحياة.


وسط هذا الركام السياسي والعسكري، يقف المواطن اليمني أعزلًا، بلا حماية، بلا سند. لا دولة ترعاه، ولا قانون يحميه، ولا مؤسسات تعمل لأجله. الكهرباء رفاهية نادرة، الماء حلم يومي، الصحة شبه معدومة، والتعليم يتآكل بصمت. الرواتب إما مقطوعة، أو بلا قيمة أمام انهيار العملة وارتفاع الأسعار.


المواطن لا يعنيه من يحكم بقدر ما يعنيه كيف يعيش. لا يسأل عن الاصطفافات الإقليمية، ولا عن الصراعات الكبرى، بل يسأل عن لقمة الخبز، عن دواء مفقود، عن مستقبل أطفاله. ومع ذلك، يبقى خارج الحسابات، آخر من يُفكّر فيه، وأول من يدفع الثمن.


ففي ظل الفوضى، ازدهر اقتصاد الحرب. تشكّلت جماعات مسلحة لا تُحصى، لكل منها مسمّى، وراية، ومموّل. السلاح أصبح مصدر رزق، والحرب تحوّلت إلى تجارة مربحة، والاستقرار إلى تهديد لمصالح المنتفعين. تُفرض الجبايات، تُنهب الموارد، وتُدار المناطق كإقطاعيات عسكرية، بينما تغيب الدولة كليًا أو تُستبدل بنسخ مشوّهة منها.


هذا الاقتصاد لا يعيش إلا على استمرار الصراع، ولا يزدهر إلا في غياب السلام. لذلك، تصبح الحرب خيارًا مريحًا للبعض، حتى وإن كانت جحيمًا للأغلبية.

أخطر ما في الفوضى ليس الدمار المادي، بل تفكك الهوية الوطنية. حين يُعاد تعريف الانتماء على أسس جهوية، أو مذهبية، أو سياسية ضيقة، يصبح الوطن فكرة هشّة، سهلة الكسر. ومع الوقت، يعتاد الناس على غياب الدولة، ويتطبعون مع الفوضى، وتصبح اللامبالاة أسلوب حياة.

وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تتحول الفوضى إلى وضع طبيعي، وأن يفقد المجتمع قدرته على المطالبة بدولة، أو حتى تخيّلها.

رغم هذا السواد، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن لليمن أن ينهض من هذا الركام؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من استعادة الإنسان لمكانته، ومن إعادة الاعتبار لفكرة الوطن كقيمة، لا كغنيمة. تبدأ بإنهاء الارتهان للخارج، وبناء مشروع وطني حقيقي، يعترف بالتعدد دون أن يُمزّق الوحدة، ويقدّم مصلحة اليمني على مصلحة الداعم.

الفوضى ليست قدرًا أبديًا، لكنها تصبح كذلك حين يُسلّم الجميع بها. واليمن، رغم كل ما أصابه، لا يزال يمتلك ما يستحق الحياة… إن وُجد من يؤمن به وطنًا، لا ساحة صراع.