منذ منتصف القرن الماضي، انقسمت الدول العربية بين أنظمة جمهورية رفعت شعارات الديمقراطية والتحرر، وأنظمة ملكية اتُّهمت برفض الديمقراطية أو تأجيلها. غير أن تقييم التجربتين بعيدًا عن الشعارات، وبالاستناد إلى الواقع الملموس، يكشف مفارقة لافتة: الأنظمة الملكية استطاعت، في معظمها، توفير استقرار سياسي وأمني وحياة أفضل لشعوبها، بينما غرقت أغلب الجمهوريات في دوامات الفقر والحروب والمجاعات والصراعات الداخلية.
عند العودة إلى مؤشرات النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، يتضح أن “وهم الجمهوريات” تعثر، ليس فقط بسبب الإخفاقات الاقتصادية، بل لأن كثيرًا من هذه الأنظمة انتهت إلى حكم عائلي يُورَّث فيه المنصب من الآباء إلى الأبناء، كما حدث في سوريا، وما كان يُرتَّب له في مصر واليمن، وما عرفته العراق وليبيا، وكل ذلك تحت مظلة شعارات قومية أو أممية أو دينية أنهكت الشعوب ولم تُنتج دولة مستقرة.
في المقابل، حافظت الأنظمة الملكية على قدر أعلى من الاستقرار، وتجنّبت حروب الأجنحة داخل السلطة، ووفّرت إطارًا متماسكًا لتداول الحكم داخل الأسرة الحاكمة دون صراع دموي. كما نجحت بعض هذه الدول في فتح المجال لتجارب دستورية تدريجية، تسمح للقوى السياسية بتقديم برامج وخيارات تخدم الناس عبر الحكومات، مع الإبقاء على رمزية الدولة في الملك أو السلطان أو الأمير، وهي رمزية جامعة لا يختلف عليها اثنان.
هذا الطرح، وإن بدا خارج الصندوق، يظل قراءة واقعية لتجربة عربية طويلة. والسؤال المشروع هنا: هل يمكن أن يكون المخرج أمام الجمهوريات المتعثرة هو الالتحاق بمسار الأنظمة الملكية، تمهيدًا للتحول إلى ملكيات دستورية تُدار فيها السياسة ببرامج ومسؤولية، كما هو قائم – بدرجات متفاوتة – في الأردن والكويت والمغرب؟
وفي السياق نفسه، يبرز تساؤل آخر في الجنوب العربي: لو لم ننزلق بعد الاستقلال إلى التطرف اليساري والقومي، وبقينا ضمن اتحاد الجنوب العربي الذي يُعاد طرحه اليوم، هل كانت حياتنا ستكون أفضل مما هي عليه الآن؟ أم أن هذا التحليل يظل افتراضًا تاريخيًا يصعب الجزم به؟
أسئلة مفتوحة، لكن المؤكد أن تقييم التجارب بميزان النتائج لا الشعارات بات ضرورة، وأن البحث عن صيغ حكم مستقرة وعادلة لم يعد ترفًا فكريًا، بل حاجة ملحّة لشعوب أنهكها الفشل المتكرر.
والله من وراء القصد.