في ضوء المستجدات الأخيرة في حضرموت والمهرة وما رافقها من بيان سعودي واضح وترحيب حكومي صريح يصبح من الضروري قراءة المشهد بعمق سياسي لا بعاطفة لحظية والوقوف أمام سؤال المرحلة إلى أين يتجه الجنوب واليمن عموما اذا استمرت سياسة كسر العظم؟
وقراءة في المشهد السياسي لم يكن بيان وزارة الدفاع السعودية ولا ما سبقه من موقف وزارة الخارجية مجرد توصيف دبلوماسي عابر بل رسالة سياسية مباشرة تؤكد ان هامش المناورة يضيق وان الذهاب نحو فرض الأمر الواقع بالقوة لم يعد خيارا مقبولا لا اقليميا ولا دوليا.
المملكة العربية السعودية ومعها دولة الإمارات العربية المتحدة لم تتعاملا يوما مع الجنوب كجغرافيا معزولة او ملف هامشي بل كجزء اصيل من معادلة استقرار اليمن والمنطقة وقد دفعتا اثمانا باهظة دما ومالا ومواقف في سبيل تحرير عدن والمحافظات الجنوبية ودعم مؤسسات الدولة ومنع سقوط الجنوب في الفوضى او بيد مشاريع معادية.
وما يجري اليوم في حضرموت والمهرة يتجاوز كونه خلافا محليا او تباينا اداريا الواقع هو صراع على القرار والسيادة وادارة النفوذ لكن الخطورة الحقيقية تكمن في ان هذا الصراع يدار بادوات تصعيدية دون حساب كلفة ما بعده.
وكان التحذير السعودي واضحا لا للتصعيد الاحادي
لا لخلط القضية الجنوبية بصراعات تضعفها لا لجر المحافظات الامنة إلى مربعات التوتر واي تجاهل لهذه الرسائل قد يفتح الباب امام ضغوط عسكرية واقتصادية ومالية معروفة الادوات والتي ستتلخص برائي بتقليص الدعم، تشديد التحويلات، ضغط على العملة، وإجراءات لوجستية لن تصيب سلطات الأمر الواقع بقدر ما ستصيب المواطن الجنوبي البسيط الذي انهكه الغلاء وتاكل الرواتب وانهيار الخدمات.
السؤال الذي يضع نفسه وهو للشرعية والانتقالي من يملك البديل؟ السؤال الجوهري اليوم ليس من يرفع سقف الخطاب بل هل لدى المجلس الانتقالي رؤية سياسية لما بعد التصعيد؟ وهل يمتلك بدائل اقتصادية اذا اغلقت نوافذ الدعم الاقليمي؟ وهل تدرك الشرعية ان ادارة الخلاف لا تكون بالبيانات وحدها بل ببناء شراكة حقيقية على الارض؟
والحقيقة الاخرى المؤلمة التي يهمس بها الشارع اليوم نتيجة الصراع ويخشاها الساسة هي لا الانفصال بيد الجنوبيين وحدهم ولا الوحدة بيد الشماليين ولا القرار اليمني خالصا لليمنيين.
هذه ليست دعوة للاستسلام بل قراءة واقعية لموازين القوى تؤكد ان اي مشروع سياسي جنوبيا كان ام وطنيا لا يمكن ان ينجح بمعزل عن الاقليم وفي مقدمته المملكة العربية السعودية والامارات .
فالمملكة العربية السعودية حليف لا خصم
ومن الظلم السياسي وقصر النظر تصوير المملكة كطرف معرقل للقضية الجنوبية فالمملكة اعترفت بعدالة القضية الجنوبية سياسيا وهو انتصار سياسيا للجنوبيين ورعت مؤتمر الرياض وجمعت كل المكونات اليمنية وضمنت عبر اتفاق الرياض مشاركة الجنوبيين في السلطة ودعمت الاقتصاد والخدمات والمشاريع الإنسانية وقدمت تضحيات جسيمة في معركة استعادة الدولة كما ان الشراكة السعودية–الإماراتية كانت الرافعة الأساسية لتحرير الجنوب ولا تزال صمام امان لمنع انزلاقه الى صراعات داخلية تستنزف الجميع ولا تخدم الا أعداء اليمن.
اليوم نحن امام مفترق طرق حاسم اما العودة الى لغة السياسة والحوار وضبط النفس او الاستمرار في مسار التصعيد وما يحمله من عزلة سياسية وضغط اقتصادي سيكون المواطن اول ضحاياه
القضية الجنوبية قضية سياسية بامتياز وعادلة، لكن عدالتها لا تصان بالمغامرة ولا بالتصعيد غير المحسوب بل بـ:
عقل سياسي بارد
شراكة حقيقية
ادارة ذكية للخلاف
احترام دور الحلفاء لا مجابهتهم
ان ما يجري في حضرموت والمهرة يجب ان يكون جرس إنذار لا محطة صدام ، فاليمن لا يحتمل صراعات اضافية والمنطقة كلها بحاجة إلى استقرار عقلاني لا شعارات انفعالية وحان وقت الحكمة قبل ان تغلق الابواب ..