يؤكد التاريخ الإنساني، قديمه وحديثه، أن إرادة الشعوب هي العامل الحاسم في معارك التحرر واستعادة الأرض والهوية. فمهما طال زمن الاحتلال، ومهما امتلكت قوى الهيمنة من سلاح ومال ونفوذ، تبقى الشعوب الحية قادرة على قلب الموازين حين تتوحد حول قضية عادلة. ومن تجارب الجزائر وجنوب أفريقيا وتركيا، وصولًا إلى واقع الجنوب اليمني اليوم، تتجلى حقيقة واحدة: الشعوب التي تصبر وتؤمن بحقها لا تُقهر.
لقد خضعت الجزائر لأكثر من 130 عامًا من الاستعمار الفرنسي، في واحدة من أبشع صور الاحتلال الحديث. لم يكتفِ المستعمر بالسيطرة العسكرية، بل سعى إلى طمس الهوية الوطنية، ومصادرة الأرض، واقتلاع الإنسان الجزائري من تاريخه وثقافته. غير أن هذا المشروع الاستعماري اصطدم بإرادة شعب رفض الذوبان والاستسلام. قاد أحمد بن بلة ورفاقه ثورة التحرير الجزائرية، معتمدين على وعي الشعب وتنظيمه، ومؤمنين بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. كانت المعركة طويلة ومكلفة، ودُفعت خلالها تضحيات جسيمة، لكن الإصرار الشعبي فرض نفسه، وفي عام 1962 استعادت الجزائر أرضها وسيادتها، لتثبت أن وحدة الشعوب وصبرها أقوى من أعنف قوى الاحتلال.
وفي جنوب أفريقيا، اتخذت إرادة الشعب مسارًا مختلفًا، لكنه لم يكن أقل عمقًا وتأثيرًا. نيلسون مانديلا لم يحمل السلاح فقط، بل حمل الوعي والصبر والإيمان بالعدالة. واجه نظام الفصل العنصري الذي سلب الأرض والحقوق من السكان الأصليين، وحوّل الإنسان إلى مواطن من درجة دنيا. قضى مانديلا 27 عامًا في السجن، لكن السجن لم يكسر إرادته، بل زادها صلابة. وعندما خرج، اختار طريق المصالحة والعدالة بدل الانتقام، فاستعاد الشعب حقه في الأرض والكرامة، وأثبت أن التحرير قد يكون أخلاقيًا بقدر ما هو سياسي.
أما في تركيا، فبعد هزيمة الدولة العثمانية وتقسيم أراضيها بين القوى المنتصرة، بدا المشهد قاتمًا، وكأن الشعب التركي على وشك الزوال. لكن مصطفى كمال قاد حركة وطنية رفضت الخضوع للاحتلال وتقسيم البلاد. وحّد الشعب، وأعاد بناء الجيش، وأحيا روح الثقة بالنفس، فتمكن من طرد القوات الأجنبية والحفاظ على الأناضول. أكدت هذه التجربة أن سقوط الدول لا يعني نهاية الشعوب، وأن الإرادة قادرة على النهوض من تحت الركام مهما كانت الخسائر.
وفي خضم التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة العربية اليوم، تبرز قضية الجنوب اليمني بوصفها واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية. فرغم أن الدول العربية المجاورة لليمن، وخاصة المطلة على جنوبه، تمتلك ثروات مالية هائلة وإمكانات اقتصادية كبيرة، إلا أن هذه الثروة لم تُترجم إلى مواقف مستقلة تخدم مصالح الشعوب، بل ارتبطت في كثير من الأحيان بانصياع واضح للسياسات الأمريكية والبريطانية.
لقد جعل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لجنوب اليمن، المطل على أهم الممرات الملاحية الدولية، منه محط أطماع دولية، وساحة صراع بين القوى الكبرى. ورغم ذلك، أثبت الشعب الجنوبي وقواته، عبر سنوات طويلة من النضال، أن الثروة والمال لا يحسمان الصراع، وأن الكرامة لا تُشترى. فكل محاولات الإخضاع، سواء بالقوة العسكرية أو بالمؤامرات السياسية والتحالفات المشبوهة، فشلت أمام صلابة الموقف الجنوبي.
إن الجنوب اليوم ليس مجرد ساحة صراع، بل رمز لإرادة شعب يرفض الذل والخضوع. ومثلما انتصرت الجزائر، وصمد مانديلا، ونهضت تركيا من تحت الركام، يثبت التاريخ أن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها تنتصر في النهاية، وأن المشاريع المفروضة من الخارج، مهما طال عمرها، مصيرها الزوال أمام إرادة الشعوب الحرة.