في ضوء الأحداث الأخيرة وتعقيدات المشهد السياسي والأمني في الجنوب، أكتب لأشهد للحق كما أراه: الجنوب ليس مجرد خط على خريطة، ولا ورقة تُلعب في صراعات الآخرين. الجنوب تاريخ ممتد عبر عقود من التجارب، ذاكرة حيّة، وصوت لم يتوقف يومًا عن المطالبة بالكرامة والحرية وحق تقرير المصير. هو شعب يعرف معنى الصبر، وتجربة الظلم، والقوة في مواجهة الاستبداد، وصوتها يتردد بين الأجيال، معلنًا أن الحق لا يُباع ولا يُهدر.
المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزبيدي، لا يمثل مجرد قوة سياسية على الأرض، بل هو تجسيد لإرادة شعب عاش طويلاً تحت الظلم والإقصاء. مشروعه واضح ومحدد: استعادة الدولة الجنوبية، استعادة الحقوق، واستعادة صوت شعب طالما صمت عن حقه. هذا المشروع متجذر في التاريخ، مدعوم بشبكة تنظيمية، وحاضنته المجتمع نفسه، وليس انعكاسًا لمصالح خارجية أو ابتزاز سياسي، كما يحاول البعض تصويره. المجلس الانتقالي يمثل تطلعات أجيال كاملة، صوتًا صادقًا لشعب يطالب بحقوقه المشروعة وقراره المستقل، ويؤكد أن إرادة الإنسان فوق أي اعتبارات خارجية.
الجنوب يحمل إرث دولتين عاشتا قبل الوحدة، وتجربة الوحدة عام 1990، وحرب 1994، وتجارب طويلة من الإقصاء والظلم. هذه التجارب لم تُمحَ، بل بقيت محفورة في الذاكرة الجمعية، فتجعل أي محاولة فرض بالقوة أو ابتزاز غير مقبولة. ومن هنا ينبع حق الجنوبيين في استعادة دولتهم، حق لشعب خرج من أقصاه إلى أقصاه، ويقول بصوت عالٍ: "الاستقلال خيارنا، وقرارنا حقنا".
الاعتراف بهذا الحق ليس تنازلاً، بل واجب أخلاقي وإنساني، واعتراف بالواقع، بالعدالة التاريخية، وبشرعية إرادة شعب عرف معنى الحرمان والظلم، ويدرك أن بناء الوطن يبدأ بالإنسان قبل التراب.
في حضرموت، تتجلى هذه الحقيقة بأوضح صورها: الأمن والاستقرار ليسا صدفة، بل نتاج رؤية واضحة وإرادة حازمة من المجلس الانتقالي لإيمانهم بوحدة التراب الجنوبي وحماية أراضيه. المحافظة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل نموذج حي للقيادة المسؤولة، حيث القوات الجنوبية تحمي المواطنين وتضرب شبكات الفوضى والتهريب، مؤكدة أن الأمن والاستقرار لا يُدار بالكلمات، بل بالقرار الجريء والعمل الميداني المستمر. القوة هنا ليست استعراضًا، بل التزام أخلاقي وواجب وطني تجاه الشعب، وتجسيد حقيقي لحقوق الإنسان الأساسية: الأمن، الحرية، والحياة الكريمة لكل فرد.
وسط هذه التحليلات السياسية، يظل الواقع المؤلم قائمًا في المناطق المتضررة من الاستبداد الحوثي، الذي سيطر على مساحات واسعة وفسر الوحدة على أساس الهيمنة والسيطرة، لا على أساس الشراكة أو العدالة. هذا الواقع لا يمكن أن يقبله الجنوب جملة وتفصيلاً، وبين استبداد الحوثي وصوت المواطن الجنوبي الحر الذي اختار خيار الاستقلال، انتهت أي شرعية للوحدة المفروضة.
المواطن بين التمني والأمل، ورغم فقدانه الكثير بسبب الحرب والابتزاز السياسي، لا يزال يبحث عن أمان وحياة كريمة، ويقف في موقف يعكس وعيًا تاريخيًا ورفضًا لأي هيمنة على الجنوب أو انتهاك لحقوقه. لم يعد يخاف الانفصال أو التقسيم، فقد فقد الكثير بالفعل. ما يهمه الآن هو حماية من يحب، والحفاظ على كرامته وأمان أسرته، وأن يعيش دون حرب أو مضايقات. يرى أن من حق الجنوب أن يعيد رسم مستقبله ويطالب بحقه المشروع في الاستقلال والسيادة، بينما يتمنى أن تُستعاد المناطق المتضررة من الاستبداد الحوثي ليعيش الجميع بكرامة وسلام بعيدًا عن الرصاص والجوع والاضطهاد.
اليمن ليس التراب الذي نختلف عليه، بل هو الناس الذين نحميهم ونعيش معهم. إذا مات الإنسان، مات الوطن. دعونا نوقف الحرب قبل أن تتوقف القلوب، ومن خلال الاعتراف بالحق، ننقذ ما يمكن إنقاذه من هذا الحطام قبل أن يصبح كل شيء متأخرًا جدًا. دعونا نصنع تاريخًا يبدأ بالسلام والكرامة، ويعترف بمكانة الجنوب قبل أن ينتهي بالألم والدماء.مرة اخرى
ولنترك الجنوب بذاكرته وصوته وحلمه، ولنؤمن بأن الحرية والكرامة والإنسانية ليست رفاهية، بل واجب مقدس لكل من عاش تحت سماءه. الإنسان قبل الأرض، والوطن لا قيمة له دون قلب ينبض، وطفل يبتسم، وحياة تُحفظ. ومن حق الجنوبيين أن يعيشوا دولتهم المستقلة، أن يرفعوا رايتهم وقرارهم بأنفسهم، وأن يقولوا للعالم: "الاستقلال خيارهم، وحقهم الطبيعي بعد سنوات طويلة من الصبر والمظلومية".
الاعتراف الصادق ينبع من القلب: أمل بأن يكون الانتصار للإنسان قبل الأرض، للسلام قبل الدماء، وللحق قبل أي قوة خارجية. الاعتراف بالحق الجنوبي ليس تنازلاً، بل بوابة نحو وطن يحترم الإنسان وحقوقه الأساسية، وطن يعيش فيه الناس بحرية، وأمان، وكرامة، مهما اختلفت الأعلام، ومهما تباعدت المسافات، فالمهم أن يبقى الإنسان حاضرًا، حراً، حيًا، وبسلام.