آخر تحديث :الخميس-05 فبراير 2026-02:01ص

مطلبٌ عادلٌ في توقيتٍ خاطئ

الإثنين - 29 ديسمبر 2025 - الساعة 12:22 ص
سمير اليوسفي

بقلم: سمير اليوسفي
- ارشيف الكاتب


لا يُجادلُ في مظلوميةِ الجنوبِ إلا جاهلٌ بالتاريخِ أو مستفيدٌ من إنكاره. ما حدثَ بعد الوحدةِ لم يكن مجردَ خلافاتٍ سياسية، بل كان مساراً من الإقصاءِ البطيء. تحولت الشراكةُ إلى هيمنة، وتحولت عدنُ من ندٍّ إلى تابع. هذه حقائقُ، وليست انطباعات. والاعترافُ بها ليس مِنَّةً من أحد، بل هو أساسُ أيِّ حديثٍ قادم.


لكنَّ السياسةَ ليست مجردَ سجلٍّ للمظالم؛ السياسةُ هي فنُّ الممكنِ في اللحظةِ الراهنة. واللحظةُ الراهنةُ تقولُ إن هناك حقيقةً أخرى، أكثرَ حضوراً ودموية: حقيقةَ الحوثي. خصمٌ لا يعترفُ بالجنوبِ ولا بالشمال، إلا بوصفِهما وقوداً لمشروعه.


والآن، في خضمِّ هذه الحقيقة، يرتفعُ صوتٌ يدعو إلى حسمِ مصيرِ الجنوب. مطلبٌ عادلٌ في توقيتٍ خاطئ. فتقريرُ المصيرِ لا يتمُّ تحتَ ظلالِ البنادقِ المعادية؛ تقريرُ المصيرِ فعلُ سيادة، والسيادةُ اليومَ هي أولُ ما يجبُ استعادتُه، لا تقسيمُه.


إنَّ الدعوةَ للانفصالِ الآن، تعني عملياً، تركَ الشمالِ لقمةً سائغةً للانقلاب، وخلقَ كيانٍ جنوبيٍّ منهَكٍ ومستهدف قبلَ أن يولد. وهو ما يعني إضعافَ جبهتينِ في آنٍ واحد: جبهةَ المقاومةِ في الشمال، وجبهةَ الدولةِ المرتقبة في الجنوب. المستفيدُ الوحيدُ من هذا المشهدِ هو الطرفُ الثالثُ الذي يراقبُ الجميعَ من كهوفِ صعدة.


العقلُ يقول: لا تتعاركوا على غرفِ البيتِ بينما السقفُ ينهار. الأولويةُ هي تدعيمُ السقف. استعادةُ الدولةِ، ولو في شكلِها الأدنى، هي المهمةُ الوحيدةُ الآن. مهمةٌ توحِّدُ الجميع، أو يُفترضُ بها أن توحِّدَهم.


وما يجري في حضرموتَ اليومَ هو خيرُ مثالٍ على هذه التعقيدات. فالمطلبُ الشعبيُّ بإحلالِ قواتٍ حضرميةٍ محلَّ المنطقةِ العسكريةِ الأولى ليس مجردَ رغبةٍ في استبدالِ “شماليٍّ” بـ”جنوبيٍّ”؛ إنه أعمقُ من ذلك. إنه مطلبٌ بـ”حقِّ أبناءِ الأرضِ” في إدارةِ أمنِهم. فاستبدالُ جنديٍّ من اقصى الشمال بآخرَ من اقصى الجنوب، قد لا يغيِّرُ من شعورِ ابنِ حضرموتَ بأنَّ أمنَه وثرواتِه لا تزالانِ بيدِ قوةٍ قادمةٍ من خارجِ محافظتِه. هذا يثبتُ أنَّ “اللامركزيةَ الحقيقيةَ” لا تعني فقط توزيعَ السلطةِ بين مركزين، بل توزيعَها لتصلَ إلى المجتمعاتِ المحليةِ نفسِها، وإلا فإننا نستبدلُ هيمنةً قديمةً بأخرى قد تكونُ جديدة.


بعد ذلك، يصبحُ كلُّ شيءٍ قابلاً للنقاش. يصبحُ للحديثِ عن شكلِ الدولةِ معنى. فيدرالية، كونفدرالية، أو حتى فكُّ ارتباطٍ منظم. كلُّ الأبوابِ يمكنُ فتحُها عندما يكونُ هناك بيتٌ آمن، لا عندما يكونُ الجميعُ في العراء.


أما حسمُ المعاركِ الصغيرةِ قبلَ المعركةِ الكبرى، فلم يكن يوماً وصفةً للنصر، بل كان دائماً أسرعَ طريقٍ إلى الهزيمة.